خبير اقتصادي: مؤشرات مصر تتحسن في 2026.. والخطر الحقيقي في الدين : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-03-02 15:30:00

1691211

على وقع تقلبات سعر الجنيه أمام الدولار، وارتفاع أسعار الذهب، يعيش المصريون سؤالاً يومياً لا يهدأ: متى نشعر بالتحسن؟ وماذا سيحدث لمدخراتنا في 2026؟ في مقابلة مع «روكب اليوم الاقتصادية»، يضع أستاذ الاقتصاد الدكتور مدحت نافع الإجابة في إطارين: مؤشرات كلية تتحسن، وأعطاب هيكلية لا تزال تمسك بخناق الاستدامة.

يفصل نافع بين «المستقبل القريب» الذي يمكن قياسه، والمستقبل البعيد الذي تعقّده حالة عدم اليقين العالمية.


ووفق قراءته، شهدت مؤشرات الاقتصاد الكلي تحسناً خلال 2026: نمواً مرشحاً لتجاوز 5% بنهاية يونيو حزيران، وبطالة تقارب 6.2%، ومسار تضخم هابطاً بعد أن بلغ ذروته عقب تحريك سعر الصرف في مارس 2024، عندما قفز التضخم إلى قرابة 38% وتجاوز التضخم الأساسي 40%.

ورغم الاقتراب من مستهدف البنك المركزي، يؤكد نافع أن التضخم لم يدخل بعد منطقة «الرقم الواحد»، إذ لا يزال فوق 10%، فيما تتجاوز القراءة في الحضر 12% قليلاً، مع توقعات بالاستقرار حول 10% خلال 2026.

يشير نافع إلى تحسن في صافي الأصول الأجنبية، لكنه يضع خطاً تحت ما يسميه “المشكلات الهيكلية”، وفي مقدمتها العجز التوأم وعجز الموازنة وعجز ميزان التجارة.

بالنسبة له، العجز التجاري هو المؤشر الأكثر إزعاجاً، إذ يقترب من 50 مليار دولار، أي ما يوازي تقريباً حجم الاحتياطي.

صحيح أن عجز الحساب الجاري تحسن نسبياً مع الخدمات مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج، لكن “لبّ المشكلة” يظل في ميزان التجارة.

الدين العام.. حلقة الاقتراض وسداد الديون

حين ينتقل الحديث إلى الدين العام، يتعامل نافع معه باعتباره نتيجة لفجوات مزمنة في الموارد والاستثمار والادخار المحلي.

المشكلة تبدأ، بحسبه، من فجوة ادخار لا تسدها استثمارات كافية، فيتحول الاقتراض إلى حل سريع، ثم يتحول لاحقاً إلى حلقة: نستدين لسد فجوات، ثم نستدين لسداد ديون سابقة.

ويقدّم أرقاماً صريحة: ديناً خارجياً عند نحو 161 مليار دولار، وديناً داخلياً في آخر إحصاء متاح يقترب من 11 تريليون جنيه «وربما زاد»، فيما تصل خدمة الدين الخارجي وحدها في 2026 إلى نحو 29.2 مليار دولار، في هذه النقطة، يختصرها نافع بجملة: “هذه موازنة لوحدها”.

لا يقدّم نافع «حلولاً سحرية»، يشرح أن المقاربات المطروحة تتراوح بين حلول «هجينة» وإعادة هيكلة للدين عبر إطالة متوسط عمره وتحسين شروطه وتخفيض كلفة خدمته.

لكنه يكرر أن الحل المستدام يبدأ من وقف نزيف الفجوات التي تبتلع الاقتراض.

هنا يضع إصبعه على الإنفاق العام، وبالتحديد الاستثمارات العامة، برأيه، هذه الاستثمارات تحتاج إلى حوكمة أشد، لأنها، إلى جانب خدمة الدين، هي المكوّن الذي واصل الارتفاع في الموازنة خلال سنوات طويلة، بينما تراجعت حصة الدعم والأجور قياساً بالماضي.

مبادلة الديون بالأصول.. ليست دواءً شاملاً

حول فكرة مبادلة الديون بالأصول، يرفض نافع تقديمها كدواء شامل، يقر بأنها قد تنجح على مستوى مؤسسات أو قطاعات محددة، لكنها لا تصلح كنهج على مستوى الدولة، لأنها قد تعني “التخلي السريع عن الأصول الجيدة” مقابل ديون تحمل الأجيال القادمة عبئها.

ويحذر من أثرها النفسي على الأسواق إذا قُدمت بطريقة مرتبكة: قد تخلق انطباعاً بالتعثر أو الإفلاس، وتضر بتوقعات المستثمرين.

ويشير إلى أن مصر طبقت عمليات مبادلة محدودة منذ التسعينيات، وأن أبرز مثال قريب كان ضمن صفقة “رأس الحكمة” حيث اعتُبر جزء من الصفقة مبادلة وديعة باستثمارات.

تمكين القطاع الخاص.. ضرورة لا رفاهية

في قلب اللقاء، يركز نافع على تمكين القطاع الخاص باعتباره شرطاً لازماً لا خياراً إضافياً، وهو يربط ذلك بما يسميه «حكومة فقيرة» ذات حيز مالي محدود، ما يجعل القطاع الخاص مسؤولاً عن تحريك الاقتصاد وخلق وظائف مستدامة.

ولا يتوقف عند البطالة كمؤشر رقمي، بل يناقش «نمواً بلا وظائف» ووجود وظائف هشة في القطاع غير الرسمي، مثل انتشار أعمال لا تضيف مهارات أو إنتاجية، من هنا، يطالب بنمو مدفوع بالاستثمار لا بالاستهلاك، مشيراً إلى أن الاقتصاد الحالي مدفوع بالاستهلاك بنسبة تقترب من 87% إلى 88%، بينما المطلوب هو الاستثمار الذي يخلق وظائف تحفظ الكرامة وتستمر.

عند سؤال جذب الاستثمار الأجنبي، يعدد نافع شروطاً عملية: بنية تشريعية ومؤسسية، سهولة الترخيص، وضوح «الولاية على الأراضي»، وتكلفة تمويل معقولة.

ويشرح مفارقة الفائدة: ارتفاع الفائدة يجذب الأموال إلى أدوات الدين، لكنه ينفّر الاستثمار المباشر الذي يبحث عن تكلفة تمويل أقل وفرصة بديلة أفضل.

ويعترف بأن مصر لا تزال تحتاج تغطية «هامش المخاطر» لجذب تدفقات إلى أدوات الدين، ما يفسر استمرار الحاجة إلى الأموال الساخنة.

اقتصاد صغير مفتوح وموارد دولارية ريعية

يقدّم نافع وصفاً مكثفاً للاقتصاد المصري: «اقتصاداً صغيراً مفتوحاً»، المشكلة ليست في الحجم الاسمي للناتج المحلي، بل في نصيب الفرد وفي طبيعة الموارد الدولارية، برأيه، أغلب الموارد الدولارية “ريعية” وليست صادرات سلعية، تعتمد على السياحة وقناة السويس والتحويلات، وهي مصادر تهتز سريعاً مع الأزمات الجيوسياسية أو عودة السوق الموازية للعملة.

يرى نافع أن صندوق النقد الدولي لا يقتصر دوره على التمويل، بل يمنح برنامج الدولة «شهادة صلاحية» تعزز الثقة، التجارب تظهر نتائج جيدة قصيرة الأجل في ضبط المالية العامة وخفض التضخم واستقرار سعر الصرف، لكن المشكلات الهيكلية تظهر لاحقاً، خاصة مع سياسات مثل رفع الدعم التي تضغط على مستويات المعيشة.

لهذا، يذهب إلى أن مصر قد تحتاج لاحقاً إلى «دعم فني» لا تمويل مالي، مستشهداً بتجربة بولندا، ومقترحاً أن تكون الخطة التنفيذية الوطنية نواة لمرحلة “ما بعد الصندوق” حتى 2030.

يصف نافع بند التخارج من الأصول المملوكة للدولة بأنه “متأخر”، ويقدم تفسيرين: مقاومة داخلية من قطاعات لا ترغب في ترك «المال العام»، وتفسيراً متعلقاً بالسوق الذي لا يستوعب الطرح الشامل، لأن البيع تحت الضغط يهبط بالتقييم.

لكنه يضيف زاوية مختلفة: الهدف الأهم من التخارج ليس حصيلة البيع، بل تحسين كفاءة الإدارة بمجرد دخول القطاع الخاص، ويضرب مثلاً بتجارب شرق أوروبا التي باعت أصولاً بأسعار رمزية بهدف نقل الإدارة للقطاع الخاص، لا بهدف جمع الأموال.

حول «سند المواطن» المطروح عبر البريد بعائد 17.75%، يوضح نافع أن الفكرة قد تقلل اعتماد الحكومة على البنوك وبالتالي تخفف مزاحمة القطاع الخاص في التمويل.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من المزاحمة داخل “الوعاء نفسه”: ما تجمعه المالية من الأفراد كان يمكن أن يذهب للبنوك ثم يتحول لقروض للقطاع الخاص، ما يجعل تقييم الأثر بحاجة لنمذجة دقيقة.

مستهدفات التضخم 

في وقت سابق، انتقد نافع طريقة اختيار مستهدف التضخم عندما كان بعيداً جداً عن الواقع، ويشرح أن المستهدف يجب أن يُبنى على قراءة تاريخية لحركة التضخم لا على فترات استثنائية مثل سنوات الإغلاق في كوفيد-19، ويشير إلى أن ترحيل المستهدف إلى نهاية 2026 كان اعترافاً ضمنياً بأن المستهدف السابق لم يكن واقعياً، مؤكداً أن الوصول إلى “الرقم الواحد” يجب أن يكون مستداماً لا مؤقتاً.

في توقعاته لسعر الصرف، يتجنب نافع رقماً محدداً، لكنه يقرأ الاتجاه عبر سلاسل زمنية: متوسط فقدان الجنيه لقيمته تاريخياً أمام الدولار، مع تسارع التدهور في السنوات الأخيرة بفعل الصدمات.

ويربط أي استقرار بزخم صفقات جديدة أو استمرار تدفقات المحافظ، لكنه يطلق تحذيراً بسيطاً: طالما نسأل يومياً «الدولار بكام؟» فهذه علامة على مشكلة ثقة واستقرار.

أما «التعويم الجديد»، فيتحفظ على المصطلح، ويميز بين خفض قيمة وبين سوق سوداء، برأيه، طالما لا توجد سوق موازية واختناقات حادة في الاستيراد وطوابير على الدولار، فالوضع أقرب إلى «حركة» ضمن مرونة أعلى مما كان سابقاً، لكن المخاطر تعود إذا خرجت الأموال الساخنة بقوة أو تفاقمت أزمة جيوسياسية.

في الجزء الذي يهم ملايين الأفراد، يربط نافع أسعار الذهب والفضة بحالة عدم اليقين العالمي، خصوصاً السياسة الأميركية، ويشير إلى دور البنوك المركزية، مثل الصين، في موجة شراء الذهب بوصفه بديلاً عن أدوات دين.

لكنه يرفض إعطاء توقعات رقمية للذهب في 2026، لأن الصدمات السياسية يمكن أن تقلب أدق النماذج.

ذهب أم عقار؟ نصيحة الاستثمار “تشبه الفتوى”

وعندما يُسأل «ذهب أم عقار؟»، يأتي تحذيره الأبرز: لا يفضل نصح الناس بتحويل المدخرات إلى أصول «اجتنانية» على نطاق واسع، لأن ذلك ينافس الاستثمار الحقيقي الذي يخلق الوظائف.

الحل، في رأيه، ليس منع الذهب أو العقار، بل إدارة الدخول إليهما عبر صناديق متخصصة تقلل مخاطر التوقيت والتخزين، وتمنح إدارة محترفة للمحفظة.

ويصل إلى قاعدة عملية: نصيحة الاستثمار «تشبه الفتوى الدينية» لأنها تعتمد على شهية المخاطر واحتياجات السيولة.

للمستثمر الجديد، الأفضل ألا يدخل مباشرة، بل عبر صناديق: صناديق أسهم، صناديق ذهب، وصناديق عقارية عندما تنضبط أكثر تنظيمياً.

“إدي العيش لخبازه ولو يأكل نصه”، يقولها نافع صريحة: ادفع تكلفة إدارة لتتفادى خسارة كل رأس المال.

فقاعة العقار مقابل فقاعة التمويل الاستهلاكي

يرى نافع أن العقار فيه فقاعة، لكنها ليست مرشحة لانفجار سريع طالما يستمر «الضخ» والاستثمار، ويطرح بدلاً من الانتظار فكرة «تفريغ آمن» للفقاعة عبر توريق الأصول وتوجيه السيولة إلى أدوات مالية وأسواق أخرى، وتقليل انكشاف الدولة على الاستثمار العقاري، مع استمرارها في الإسكان المتوسط والمحدود.

لكن الخطر الأكبر، في تقديره، ليس العقار، بل «فقاعة التمويل الاستهلاكي»، خصوصاً مع تزايد المحافظ، وضعف «اعرف عميلك»، واحتمال توريق ديون بلا ضمانات.

هنا يطالب برقابة أعمق وإفصاح صارم عن نسب الديون الرديئة والتأكد منها عبر تفتيش فعلي.

في النهاية، يترك نافع رسالة مزدوجة: الاقتصاد قد يتحسن في المؤشرات، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة الجذور ومن الاستثمار في الإنتاج لا في القلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks