
روكب اليوم
لم تعد الانتخابات الأمريكية مجرد معركة بين البرامج الحزبية أو صراعا حول صناديق الاقتراع، بل تحولت إلى واحدة من أكبر المزادات السياسية في العالم.
هذا الوصف ليس عبثا، إذ تشير الصحف العالمية إلى أن انتخابات التجديد النصفي 2026 قد تذكر مستقبلا باعتبارها “العام الذي هيمن فيه الأثرياء على الإنفاق السياسي في انتخابات الكونغرس وانتخابات الولايات” بنتائج مشكوك في أمرها.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوبالتزامن مع اقتراب هذه الانتخابات، تشير أرقام لجنة الانتخابات الفدرالية إلى ظاهرة، وهي أن 15 شخصا وكيانا فقط ضخوا أكثر من 1.5 مليار دولار لصياغة المشهد السياسي القادم.
وفي قلب هذه المليارات، يتصدر عمالقة التكنولوجيا وقطاعات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة المشهد، مما يفتح سؤالا جوهريا: هل هذه الأموال لدعم الحلفاء وحسب، أم هي محاولة لشراء “مستقبل التشريعات” وضمان بيئة تنظيمية بلا قيود؟
الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة في الواجهة
اللافت هذه المرة ليس الداعمين وحسب، إذ برز من بين أكبر 15 مساهما، 5 منهم في مجال التكنولوجيا، وخاصة في قطاعي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، إذ أنفق المستثمرون المغامرون والشركاء التجاريون مارك أندريسن وبنيامين هورويتز أكثر من 113 مليون دولار حتى الآن.
وتبرعوا بمبلغ 50 مليون دولار للجنة العمل السياسي الداعمة للذكاء الاصطناعي “ليدينغ ذي فيوتشر” (Leading the Future) ومبلغ 46.8 مليون دولار للجنة العمل السياسي “فيرشيك” (Fairshake) للعملات المشفرة.
كما تبرعوا بمبلغ 12 مليون دولار للجنة العمل السياسي التابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا).
بدورها، تبرعت منصة تداول العملات المشفرة “كوينبيس” (Coinbase) بما يقرب من 57 مليون دولار في دورة الانتخابات الحالية، بما في ذلك تبرعات من الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لها برايان أرمسترونغ.
من جهتها، تبرعت شركة “ريبل لابز”، وهي شركة أخرى في مجال العملات المشفرة، ومؤسسها المشارك كريس لارسن بأكثر من 68 مليون دولار، وكانت غالبية مساهمات هاتين الشركتين لصالح شركة “فيرشيك”.
وقام الأخوان وينكلفوس، كاميرون وتايلر، وهما شخصيتان بارزتان في عالم العملات المشفرة، بالتبرع لشركة “ماغا إنك” (MAGA Inc) وللجنة العمل السياسي الخاصة بهما المؤيدة للعملات المشفرة.
وكشف موقع أكسيوس أن لجنة العمل السياسي الداعمة للذكاء الاصطناعي “قيادة المستقبل” جمعت أكثر من 125 مليون دولار في محاولة لتشكيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 ومستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي الفدرالي.
وسيتم أيضا توجيه التمويل إلى منظمة “بناء الذكاء الاصطناعي الأمريكي”، وهي منظمة مرتبطة تركز على الإعلانات المتعلقة بالأجندة التشريعية للصناعة.
إيلون ماسك.. أكبر المتبرعين
أصبح إيلون ماسك أكبر متبرع سياسي فردي في التاريخ الأمريكي الحديث، فقد ضخ أغنى رجل في العالم 369 مليون دولار من أمواله الخاصة في انتخابات التجديد النصفي لهذا العام، وذلك في الغالب للحفاظ على سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس.
ويُخفف هذا الإنفاق من مخاوف بعض الجمهوريين الذين كانوا يخشون ألا يُقدم الرئيس التنفيذي لشركة تسلا الدعم لهم بعد الخلاف الحاد والعلني مع الرئيس دونالد ترمب العام الماضي.
إلا أن ماسك قدم ما لا يقل عن 268 مليون دولار للجنة العمل السياسي التابعة له ولجماعات أخرى موالية للحزب الجمهوري خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، وفقا لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية.
وحصلت لجنة العمل السياسي الرئيسية التابعة للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، وهي صندوق قيادة مجلس الشيوخ، على 158 مليون دولار من هذا المبلغ، ثم حوّل صندوق قيادة مجلس الشيوخ على الفور مبلغا مماثلا إلى لجنة عمل سياسي مخصصة لدعم المرشح الجمهوري كين باكستون في انتخابات مجلس الشيوخ في تكساس، حيث يقيم ماسك.
وينظر إلى إنفاق ماسك على أنه جاء في عصر يهيمن فيه المليارديرات على العطاء السياسي، أما في المجمل فقد ضخّ كبار المانحين في السياسة الأمريكية أكثر من 2.3 مليار دولار للتأثير في انتخابات التجديد النصفي، ويهيمن الجمهوريون على هذه التبرعات.
الكثير من الأموال المشبوهة
كشف تحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز عن إنفاق ما لا يقل عن مليار دولار من الأموال غير المعلنة في الانتخابات التمهيدية وحدها للتأثير في الناخبين فقط.
وتُعرف هذه الأموال باسم “الأموال غير المعلنة”، وهي تُطلق على الجهات المانحة التي تُنفق أموالها عبر منظمات غير ربحية لا تُلزم بالإفصاح عن هوية المانحين، وقد انتشرت هذه الظاهرة بعد قرار المحكمة العليا عام 2010، المعروف باسم “مواطنون متحدون” (Citizens United)، الذي سمح للشركات بإنفاق مبالغ غير محدودة على السياسة.
ولا يُسمح لها بالانخراط بشكل أساسي في النشاط السياسي، وهو شرط يُمكن للجماعات اتباعه بسهولة من خلال عدم إعلان دعمها المباشر لمرشح محدد، وتوجيه إعلاناتها نحو قضايا معينة، غالبا ما تُسجل هذه الجماعات نفسها كمنظمات غير ربحية من هذا النوع لتجنب التدقيق وردود الفعل السلبية بشأن الجهات المُمولة لها.
وتُعد أربع منظمات غير ربحية مجهولة الهوية، تُعرف باسم منظمات “501 سي 4” أو مجموعات الأموال المظلمة، من بين أكبر 15 جهة مانحة في هذه الدورة الانتخابية، تقوم هذه المنظمات غير الربحية بتمويل الحملات الانتخابية ولكنها غير ملزمة قانونا بالكشف علنا عن مانحيها.
وقد أسهمت شبكة العمل الأمريكية، وهي جماعة أخرى من جماعات التمويل السياسي الجمهوري غير المعلن، بأكثر من 64 مليون دولار لصندوق القيادة الجمهوري في الكونغرس، وهو النظير لصندوق القيادة الاجتماعية لانتخاب الجمهوريين لمجلس النواب.
وترى كبيرة المستشارين القانونيين في مركز الحملات القانونية، شانا بورتس، في حديثها لوكالة الصحافة الفرنسية، أن الإنفاق على الأموال المجهولة المصدر يتزايد عاما بعد عام، وهو اتجاه مقلق لأن الناخبين يجب أن يكونوا قادرين على معرفة من يمول الإعلانات التي يرونها.
ومن بين مظاهر الإنفاق الإعلاني الهائل الذي لا يمكن تتبعه قبيل الانتخابات، قيام جماعات تابعة للحزب الجمهوري باستغلال ثغرة قانونية في ولاية نيفادا تسمح لبعض لجان العمل السياسي على مستوى الولاية بتجنب الكشف عن مموليها حتى ما بعد الانتخابات التمهيدية في يونيو/حزيران، مما يعني أن الناخبين قد يشاهدون حملة إعلانية مكثفة قبيل الانتخابات، دون أن يعرفوا الكثير عن الجهة المسؤولة عنها حتى إعلان النتائج النهائية.
متبرعون تاريخيون
وإلى جانب ذلك، استمر بعض المتبرعين التاريخيين في تقديم تبرعاتهم خلال هذه الدورة الانتخابية؛ إذ تبرع الزوجان المليارديران إليزابيث وريتشارد أوهلين بأكثر من 135 مليون دولار لدعم الجمهوريين.
وأسهم جورج سوروس، وهو مانح ديمقراطي منذ فترة طويلة، بما لا يقل عن 102 مليون دولار، وقدمت سيدة الأعمال الإسرائيلية الأمريكية والمانحة السياسية المحافظة ميريام أديلسون ما يقرب من 67 مليون دولار إلى مختلف لجان العمل السياسي الجمهورية.
ومن بين كبار المتبرعين الآخرين في القائمة رجل الأعمال الملياردير جيف ياس، الذي تبرع بمبلغ 109 ملايين دولار حتى الآن، معظمها لجماعات جمهورية، بالإضافة إلى مدير صندوق التحوط بول سينغر، الذي تبرع بأكثر من 52 مليون دولار، أيضا لجماعات جمهورية.
وأنفق الملياردير ورئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ 52.6 مليون دولار حتى الآن، بما في ذلك حوالي 30 مليون دولار من المساهمات التي تم تقديمها بعد الأول من سبتمبر/أيلول.
هل سيؤثر المال السياسي؟
ترى الخبيرة في أخلاقيات الحكومة، ميريديث ماكغي -التي تعمل في فرقة العمل الوطنية المعنية بأزمات الانتخابات- أن المال يمكن أن يحدد مسار الحوار في الحملة الانتخابية.
وقالت -في حديثها لصحيفة واشنطن بوست– إن المال يسمح للمرشحين بإغراق الجوار بالإعلانات على كل وسيلة إعلامية ممكنة، مما يسمح للمرشحين بزيادة شهرة أسمائهم وخلق صورة عامة لتقديمها للناخبين. كما يمكن للمال أيضا تمويل جهود حثّ الناخبين على المشاركة في الانتخابات، أو قمعها عبر الإعلانات السلبية.
وتُعدّ انتخابات حاكم ولاية أوهايو مثالا صارخا على ذلك: فقد أنفق رجل الأعمال الثري وحليف ترمب، فيفيك راماسوامي، المرشح الجمهوري، ملايين الدولارات في محاولة لتصوير المرشحة الديمقراطية آمي أكتون على أنها مدمنة كحول، التي نفت ذلك ووصفته بأنه “محتال”.
وحذر المحللون في ولاية أوهايو من أن كل هذه السلبية قد تلغي بعضها البعض وتصبح مجرد شيء يتجاهله الناخبون.
وقالت ماكغي إن امتلاك الكثير من المال لا يضمن النصر، بل على العكس تماما، فعدم امتلاك ما يكفي لا يضمن الهزيمة.
من جانبه، يشير مايكل والدمان، رئيس مركز برينان للعدالة، إلى أن التحدي الأكبر الذي سيواجه الفائز هو كيفية كبح جماح الفساد؛ وإلا “سنكون محكومين بدوامة من الانتخابات التي تتصارع فيها الأحزاب على وقع الغضب الشعبي، وتتداول السلطة دوريا دون أي تغيير حقيقي يُذكر”، على حد تعبيره.
المصدر: أكسيوس + الجزيرة + الفرنسية + الواشنطن بوست