روكب اليوم
2026-06-27 18:22:00

في مقابلة مع روكب اليوم الاقتصادية، قال رئيس مجلس إدارة البنك الأوراسي للتنمية، نيكولاي بودغوزوف، إن البنك أقر بالفعل خطته الاستثمارية الخمسية الجديدة، مشيراً إلى أن تنويع مصادر التمويل يمثل أولوية أساسية في المرحلة المقبلة. وبالنسبة إليه، لا ينظر البنك إلى الخليج كمصدر للتمويل فقط، بل كسوق يمكن أن يربط رأس المال الخليجي بمشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والأمن الغذائي في آسيا الوسطى.
أبوظبي كمركز عبور مالي
افتتاح المكتب التمثيلي للبنك في أبوظبي يعكس هذا التوجه. فالمكتب ليس مجرد حضور إداري، بل أداة لبناء علاقة مباشرة مع المستثمرين الخليجيين، والمساهمة في تطوير قنوات التمويل بين أسواق الخليج وآسيا الوسطى. ويقول بودغوزوف إن البنك يريد أن يكون «جسراً استثمارياً» بين المنطقتين، مستفيداً من تطور سوق أبوظبي للأوراق المالية، ومن الروابط المتزايدة بين الإمارات وكازاخستان، لا سيما على مستوى البورصات والبنية التحتية المالية.
هذا التحول يأتي في وقت تبحث فيه مؤسسات التنمية عن مصادر تمويل أكثر تنوعاً، بعد سنوات من ارتفاع تكلفة الاقتراض عالمياً. وبالنسبة للبنك، فإن الخليج يوفر قاعدة مستثمرين واسعة، في حين توفر آسيا الوسطى فرصاً مرتبطة بالبنية التحتية، والممرات اللوجستية، والطاقة، والغذاء.
سندات الدرهم: اختبار ناجح للسوق
أهمية هذه السندات لا تكمن فقط في قيمتها، بل في الرسالة التي تحملها. فهي تساعد على بناء منحنى تسعير وأدوات مرجعية في سوق الدرهم، وتفتح الباب أمام جهات أخرى لإصدار أدوات مشابهة، بما يعمّق سوق الدين المحلي ويزيد تنوع المستثمرين. وبحسب بودغوزوف، فإن قدرة سوق السندات المقومة بالدرهم قد تصل إلى ما يعادل مليار دولار سنوياً، إذا استمر الطلب وتطورت البنية السوقية بالشكل المطلوب.
لكن البنك لا يريد الاعتماد على مصدر واحد. فهو يؤكد أن لديه حالياً قنوات تمويل متعددة، من الخليج، والأسواق المحلية، والدول الأعضاء، والصين. وهذا التنويع يمنحه هامش حركة أكبر، ويقلل حساسيته لتقلبات سوق واحدة أو عملة واحدة.
الصكوك كأداة طبيعية بين الخليج وآسيا الوسطى
إلى جانب السندات التقليدية، يدرس البنك إصدار صكوك إسلامية خلال الأرباع المقبلة. ويرى بودغوزوف أن هذه الأداة تبدو مناسبة بشكل خاص، لأن دول الخليج وآسيا الوسطى تضم غالبية سكانية مسلمة، ولأن التمويل الإسلامي يحظى بقبول متزايد في المنطقتين.
غير أن إصدار الصكوك أكثر تعقيداً من السندات التقليدية. فهي تحتاج إلى هيكلة مرتبطة بأصول أو مشاريع محددة، وبما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية. لذلك، يقول بودغوزوف إن العملية قد تستغرق وقتاً أطول، لكنها تبقى ضمن أهداف البنك القريبة.
الصين كذراع تمويلية موازية
في موازاة التوجه الخليجي، حصل البنك على وصول مباشر إلى سوق السندات الصينية، وهي خطوة يصفها بودغوزوف بأنها جزء من استراتيجية تمويلية أوسع. فالسوق الصينية، وفق تعبيره، عميقة وذات سيولة كبيرة، وتتجاوز قيمتها ما يعادل 20 تريليون دولار.
هذا الوصول يسمح للبنك بإصدار أدوات مثل سندات الباندا، وهي سندات مقومة باليوان تصدرها جهات غير صينية داخل السوق الصينية، وسندات الديم سام المقومة باليوان خارج الصين. بالنسبة للبنك، تعني هذه الخطوة قدرة أكبر على إدارة السيولة، وتنويع العملات، والوصول إلى مستثمرين جدد في واحدة من أكبر أسواق الدين في العالم.
عُمان والعضوية الخليجية المحتملة
التحرك الأبرز على مستوى العضوية يتعلق بعُمان. فقد كشف بودغوزوف أن الإجراءات المرتبطة بانضمام السلطنة كدولة مساهمة قد تكتمل خلال ثلاثة إلى ستة أشهر، متوقعاً أن يحدث ذلك قبل نهاية العام. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن البنك لا يتعجل، بل يريد استكمال الإجراءات اللازمة بما يسمح له بالتحرك فعلياً داخل الخليج.
انضمام عُمان، إذا اكتمل، قد يمنح البنك موطئ قدم مؤسسياً أقوى في المنطقة، ويفتح الباب أمام مشاريع في البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والنقل، والأمن الغذائي. كما يرى بودغوزوف أن عضوية عُمان قد تساعد على توسيع نشاط البنك في دول خليجية أخرى، من بينها الإمارات والبحرين والسعودية.
ولا تقف الطموحات عند عُمان. فقد أشار إلى أن مجلس البنك وافق على قائمة تضم 11 دولة كأعضاء محتملين، من بينها دول خليجية مثل البحرين وقطر والسعودية والإمارات، إضافة إلى عُمان. لكنه أوضح أن العدد بحد ذاته ليس هدفاً، لأن البنك يحتاج إلى التوازن بين التوسع الجغرافي والحفاظ على الفعالية التشغيلية للمساهمين الحاليين.
توسع محسوب لا سباق عضوية
اللافت في حديث بودغوزوف أنه لا يقدم توسع البنك كسباق لضم أكبر عدد ممكن من الدول. فخلال السنوات الخمس المقبلة، يستهدف البنك ثلاثة أعضاء جدد فقط كخطة محتملة. هذا يعكس مقاربة حذرة، تقوم على توسيع الحضور الإقليمي من دون إضعاف قدرة البنك على تنفيذ المشاريع بسلاسة.
ومع ذلك، تبدو الرسالة واضحة: البنك الأوراسي للتنمية يريد أن يتحول من مؤسسة تركز أساساً على أوراسيا وآسيا الوسطى، إلى منصة ربط أوسع بين رؤوس الأموال الخليجية وفرص الاستثمار في المنطقة. وبين سندات الدرهم، والصكوك المحتملة، والوصول إلى سوق الصين، وانضمام عُمان المتوقع، يختبر البنك نموذجاً جديداً للتمويل التنموي يقوم على تعدد العملات، وتعدد الأسواق، وتعدد الشركاء.
في هذا المعنى، لا تبدو أبوظبي محطة جانبية في استراتيجية البنك، بل بوابة لمرحلة جديدة، يحاول فيها البنك تحويل الجغرافيا بين الخليج وآسيا الوسطى إلى علاقة مالية ومؤسسية أكثر عمقاً.