روكب اليوم
2026-06-27 10:06:00

هذا الاختلاف لا يعني تباعداً في الأهداف، بل يعكس تنوع أدوات التنمية داخل مجموعة التنسيق العربية، التي تضم عشر مؤسسات تنموية وتمويلية عربية، وتلعب دوراً متزايداً في تعبئة التمويل للمشاريع الكبرى، خصوصاً في مجالات الطاقة، والأمن الغذائي، والبنية التحتية، والتكيف مع تغير المناخ.
الصندوق الكويتي.. تمويل طويل الأجل للمشاريع الكبرى
قال وليد البحر، المدير العام بالوكالة للصندوق الكويتي للتنمية، في مقابلة مع روكب اليوم الاقتصادية، إن الصندوق تأسس عام 1961، ليكون من أوائل المؤسسات العربية العاملة في مجال التنمية، وبدأ نشاطه في الدول العربية، قبل أن يتوسع في السبعينيات إلى إفريقيا وآسيا، ثم بعد عام 1990 إلى أميركا اللاتينية والكاريبي، إضافة إلى دول آسيا الوسطى.
واليوم، بحسب البحر، ينشط الصندوق في 105 دول، ما يعكس توسعاً كبيراً في نطاق عمله منذ تأسيسه، لكن هذا التوسع لا يقوم فقط على زيادة عدد الدول، بل أيضاً على تغير طبيعة الاحتياجات التنموية، فالمشاريع المطلوبة اليوم لم تعد محصورة في الطرق أو السدود أو محطات الكهرباء، بل أصبحت مرتبطة كذلك بالأمن الغذائي، وتغير المناخ، وخلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وشدد البحر على أن المشاريع الضخمة تحتاج إلى تمويل كبير لا تستطيع مؤسسة واحدة تحمله وحدها، ومن هنا يأتي دور مجموعة التنسيق العربية في جمع التمويل وتنسيق الجهود بين المؤسسات، واستشهد بمشروع محطة راغون الكهرومائية في طاجيكستان، حيث تشارك عشر مؤسسات دولية إلى جانب الصناديق التمويلية في دعم مرحلة بناء السد.
ووفق البحر، فإن المشروع سيحقق عائداً مهماً لطاجيكستان والدول المجاورة من خلال توفير الكهرباء وتعزيز الربط بين دول الجنوب.
التقييم اللاحق ومراجعة الأثر
لا يقتصر دور الصندوق الكويتي على تمويل المشاريع، بل يشمل أيضاً تقييمها بعد التنفيذ، وأوضح البحر أن التقييم اللاحق يساعد في قياس ما إذا كان المشروع قد حقق أهدافه، وما إذا كانت كلفته ارتفعت، وما الدروس التي يمكن الاستفادة منها لتجنب التأخير أو الأخطاء في مشاريع لاحقة.
هذه النقطة تعكس تحولاً مهماً في عمل مؤسسات التنمية؛ فالمطلوب لم يعد فقط توفير التمويل، بل ضمان جودة التنفيذ وقياس الأثر التنموي، ومع ارتفاع الاحتياجات عالمياً، تصبح الأولوية لاختيار المشاريع الأكثر ارتباطاً بالأمن الغذائي، والطاقة، والمناخ، وفرص العمل.
أجفند.. التنمية من مستوى المجتمع
في المقابل، يقدم أجفند نموذجاً مختلفاً يركز على التنمية البشرية المباشرة. وقال همّام بن ناصر بن جريّد، المدير التنفيذي لأجفند، في مقابلة مع روكب اليوم الاقتصادية، إن البرنامج بدأ عمله منذ عام 1981، وركز على خمسة مجالات رئيسية: التعليم المفتوح، والشمول المالي، وتمكين المرأة، والطفولة المبكرة، والمجتمع المدني.
وأوضح أن أجفند دعم خلال 45 عاماً نحو 1800 مشروع بقيمة تجاوزت 400 مليون دولار، واستحوذت مشاريع تمكين المرأة على نحو 20% من عدد المشاريع وحجم التمويل، كما أنشأ البرنامج مركزاً إقليمياً في تونس مختصاً بدراسات وبحوث المرأة، ويقدم برامج تدريب ومنصات إلكترونية لدعم التمكين الاقتصادي.
ومن أبرز أدوات أجفند نموذج بنوك التمويل الأصغر، التي تعمل حالياً في تسع دول، بينها اليمن والبحرين وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان والسودان وسيراليون وموريتانيا، ووفق بن جريّد، تقدم هذه البنوك تمويلاً يتراوح غالباً بين ألف و15 ألف دولار للمشروع الواحد، ما يتيح للأفراد والأسر الصغيرة الوصول إلى التمويل والخدمات المالية.
مليونان من المستفيدين ونموذج للتمكين
قال المدير التنفيذي لأجفند إن بنوك البرنامج خدمت أكثر من مليوني مستفيد، وتبلغ محفظتها الإقراضية أكثر من 1.5 مليار دولار، مع نسب سداد تصل إلى 97%. كما أن 60% من المقترضين هم من النساء.
وتظهر أهمية هذا النموذج في قدرته على تحويل التمويل الصغير إلى فرصة اقتصادية، فقد أشار بن جريّد إلى نماذج لمستفيدين بدؤوا بمشاريع بسيطة، مثل شراء عدد قليل من رؤوس الماشية، ثم توسعت أعمالهم لاحقاً إلى مشاريع أكبر، وهذا النوع من التمويل لا يعالج الفقر من خلال المنح فقط، بل عبر منح الأفراد القدرة على بناء دخل مستدام.
مساران لهدف واحد
في المحصلة، يعمل الصندوق الكويتي وأجفند من موقعين مختلفين داخل منظومة التنمية العربية، الصندوق الكويتي يموّل البنية التحتية الكبرى التي تحتاجها الدول للنمو، بينما يركز أجفند على الإنسان، والمرأة، والتمويل الأصغر، والمجتمع المدني.
لكن المسارين يلتقيان عند هدف واحد: جعل التنمية أكثر قدرة على الاستمرار، فالبنية التحتية من دون تمكين اجتماعي تبقى محدودة الأثر، والتمويل الأصغر من دون طرق وطاقة وأسواق لا يستطيع أن يتوسع، ومن هنا تبدو مجموعة التنسيق العربية منصة مهمة لربط التمويل الكبير بالتنمية المباشرة، في وقت تتزايد فيه احتياجات الدول النامية وتتعقد فيه أولوياتها.