
روكب اليوم
Published On 24/9/2026
لم تعد أخطار قضاء الأطفال ساعات طويلة أمام الهواتف والأجهزة اللوحية مقتصرة على إجهاد العين، إذ قد تمتد إلى اضطرابات النوم وقلة الحركة وزيادة الوزن وتراجع التركيز وتغيرات المزاج. لكن حجم التأثير لا يتوقف على عدد الساعات وحده، بل يرتبط أيضا بنوع المحتوى وتوقيت الاستخدام وما تحرم منه الشاشات الطفل من نوم ولعب وحركة وتفاعل اجتماعي.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (American Academy of Pediatrics)، في سياستها المحدثة لعام 2026، أن التعامل مع الوسائط الرقمية يجب ألا يقتصر على حساب وقت الشاشة، بل ينبغي مراعاة طبيعة المحتوى وطريقة تصميم المنصات وظروف الاستخدام، ومدى تأثيرها في الأنشطة الضرورية لنمو الطفل وصحته.
علامات تحذيرية
تقول الدكتورة ريتا خليل، اختصاصية طب الأطفال في مستشفى الفردان الطبي ونورث وسترن مديسن في قطر، إن هناك تغيرات سلوكية قد تنبه الآباء إلى إفراط أطفالهم في استخدام الشاشات، أبرزها نوبات الغضب والتفكير المستمر في الألعاب الإلكترونية وفقدان الاهتمام باللعب التقليدي.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوتضيف، في تصريحات للجزيرة نت، أن الاستخدام المفرط قد يصاحبه تراجع في التركيز والانتباه وضعف الذاكرة وانخفاض مستوى إنجاز الواجبات والأداء الدراسي، فضلا عن الميل إلى العزلة وظهور مشكلات في العلاقات الاجتماعية.
ولا تتوقف العلامات عند التغيرات السلوكية، إذ قد يشكو الطفل أيضا من الصداع واحمرار العين، وهي أعراض تستدعي الانتباه إلى طبيعة استخدامه للأجهزة الرقمية ومدته.
النوم والوزن
توضح الدكتورة ريتا أن استخدام الشاشات قد يؤخر موعد نوم الطفل، ويجعل الاستيقاظ صباحا أكثر صعوبة، فضلا عن التسبب في النعاس خلال النهار، بما قد ينعكس سلبا على التعلم والتركيز.
ويؤثر الاستخدام المفرط أيضا في النشاط البدني، إذ تقلل الساعات الطويلة أمام الأجهزة الإلكترونية الوقت المتاح للحركة واللعب، مما قد يسهم في زيادة الوزن والإصابة بالبدانة وما يرتبط بها من مشكلات صحية وأيضية، مثل مقاومة الإنسولين.
ولتقليل هذه الأخطار، تشدد اختصاصية طب الأطفال على ضرورة منع استخدام الأجهزة قبل النوم بساعة على الأقل، مع الحفاظ على مسافة مناسبة بين الطفل والشاشة ومراعاة وضعية الجسم والإضاءة المحيطة أثناء الاستخدام.
هل المحتوى التعليمي أكثر أمانا؟
ليس كل ما يشاهده الأطفال على الشاشات متساويا في تأثيره، فهناك اختلاف بين قضاء ساعات طويلة في الألعاب الإلكترونية واستخدام الأجهزة لأغراض التعلم والقراءة.
وتوضح الدكتورة ريتا أن تأثير الشاشات يعتمد على مدة الاستخدام ونوع المحتوى وتوقيت الاستخدام، مشيرة إلى أن زيادة الوقت أمام الأجهزة ترفع احتمالات إجهاد العين والصداع وقلة الحركة، أما الاستخدام المطول للألعاب الإلكترونية فقد يؤثر في الانتباه والمزاج والنوم بصورة تختلف عن الاستخدام التعليمي.
وتدعم نتائج الأبحاث أهمية النظر إلى طبيعة المحتوى وظروف الاستخدام، وليس إلى عدد الساعات وحده.
فقد كشفت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نشرا في مجلة جاما لطب الأطفال (JAMA Pediatrics)، وشملا 100 دراسة ضمت 176 ألفا و742 طفلا دون السادسة، أن السياق الذي تُستخدم فيه الشاشات يرتبط بنتائج مختلفة على نمو الأطفال.
ووجد الباحثون أن التعرض لمحتوى غير ملائم للعمر ارتبط بنتائج نفسية واجتماعية أسوأ، في حين ارتبط استخدام الشاشات بمشاركة أحد الوالدين بنتائج معرفية أفضل.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية اختيار المحتوى المناسب لعمر الطفل ومشاركته أثناء المشاهدة، بدلا من تركه يقضي فترات طويلة بمفرده أمام الأجهزة.
الوقت المناسب لكل عمر
تختلف التوصيات المتعلقة بوقت الشاشة باختلاف عمر الطفل واحتياجاته. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، لا يُنصح بتعريض الرضع دون عمر سنة للشاشات، كما توصي المنظمة بألا يقضي الأطفال في عمر سنة أي وقت أمام الشاشات أثناء الجلوس.
أما الأطفال من عمر سنتين إلى 4 سنوات، فتوصي المنظمة بألا يتجاوز وقت الشاشة ساعة واحدة يوميا، مؤكدة أن تقليل هذه المدة أفضل لصحتهم ونموهم.
وتشمل هذه التوصيات الأنشطة التي يمارسها الطفل أثناء الجلوس، مثل مشاهدة التلفزيون ومقاطع الفيديو وممارسة ألعاب الحاسوب.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على الشاشات التي يستخدمها الطفل مباشرة، إذ قد يترك التلفزيون المفتوح في الخلفية أثرا حتى عندما لا يتابعه الطفل.
فقد كشفت مراجعة نشرتها مجلة جاما لطب الأطفال وجود ارتباط بين التعرض للتلفزيون في الخلفية ونتائج معرفية أسوأ لدى الأطفال دون السادسة، مشيرة إلى أن الشاشة المفتوحة أثناء اللعب قد تجذب انتباه الطفل وتشتته عن أنشطته.
أما بالنسبة للأطفال الذين هم في سن المدرسة والمراهقين، فلا تحدد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال مددا زمنية موحدة تصلح للجميع، نظرا إلى عدم وجود أدلة كافية تدعم اعتماد حد زمني واحد لهذه الفئات العمرية.
وبدلا من ذلك، توصي الأكاديمية بتقييم جودة الاستخدام وتحقيق التوازن بين الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة والوقت المخصص للنوم والنشاط البدني واللعب والقراءة والتعلم والتفاعل مع أفراد الأسرة.
متى يصبح الأمر اضطرابا؟
قد يغضب الطفل عندما يطلب منه والداه إيقاف لعبة إلكترونية أو الابتعاد عن الهاتف، لكن هذا السلوك وحده لا يعني إصابته باضطراب الألعاب.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن اضطراب الألعاب يتميز بثلاثة ملامح رئيسية، هي ضعف السيطرة على اللعب، وإعطاؤه أولوية متزايدة على الأنشطة والاهتمامات الأخرى، والاستمرار فيه رغم عواقبه السلبية.
ولتشخيص الاضطراب، يجب أن يكون هذا النمط السلوكي شديدا بما يكفي لإحداث تراجع واضح في جوانب مهمة من حياة الطفل، مثل العلاقات الأسرية والاجتماعية والأداء الدراسي، وأن يستمر عادة مدة لا تقل عن 12 شهرا.
ويصبح طلب التقييم من طبيب أو اختصاصي نفسي للأطفال والمراهقين مناسبا عندما يؤثر استخدام الشاشات بصورة واضحة ومستمرة على دراسة الطفل أو علاقاته أو أنشطته اليومية، أو عندما تجد الأسرة صعوبة في ضبط استخدامه رغم وضع حدود واضحة.
دور الآباء
تشدد الدكتورة ريتا على أن حماية الأطفال من أخطار الاستخدام المفرط للشاشات تبدأ داخل المنزل، من خلال وضع أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية والالتزام بها.
وتوصي بتشجيع الأطفال على ممارسة النشاط البدني واللعب الحر والقراءة، وإشراكهم في الأنشطة والواجبات اليومية، بما يقلل اعتمادهم على الأجهزة الرقمية لشغل أوقات فراغهم.
وتؤكد أهمية أن يكون الوالدان قدوة لأطفالهما في الاستخدام المتوازن للشاشات، بحيث لا تقتصر القواعد على الصغار، بل تصبح جزءا من نمط الحياة اليومي للأسرة.