




روكب اليوم
قبل أيامٍ قليلة من دخوله كأس العالم 2026، أمر الاتحاد الدولي لكرة القدم منتخب هايتي بإعادة تصميم قمصانه. وأبدى الفيفا مخاوفه بشأن رسوماتٍ تاريخية مدرجة في تصميم الأطقم، معتبرا أن هذه الرسومات لا تتوافق مع لوائح البطولة. تُصوّر الرسومات المثيرة للجدل معركة فيرتيير، التي دارت رحاها في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1803، وأنهت الحكم الاستعماري الفرنسي في سان دومينغو ومهّدت الطريق لولادة أول جمهورية سوداء في العالم. لا يقتصر الأمر على مجرد جدل رياضي، بل هو عرضٌ لمشكلة أعمق، وهي انزعاج العالم “الحر” المستمر مما تمثله هايتي، لا سيما في بطولة لكأس العالم تُقام في الولايات المتحدة تحت حكم دونالد ترمب.
كانت واقعة فيرتيير نصرا عسكريا، ولكنها أيضا المرة الأولى والوحيدة في التاريخ التي أطاح فيها شعبٌ من العبيد بقوة استعمارية وأسس جمهورية حرة. وهذه الحقيقة تتعارض جذريا مع سرديات الحضارة الغربية السائدة. وربما لفهم سبب ذلك، يجب على المرء أن يفهم الثورة الهايتية نفسها: ما كانت عليه، وماذا كانت تعني، وما هي المفارقات التي احتوتها، ولماذا لا تزال الحدث الأكثر رمزية في تاريخ تحرير العبيد.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsسان دومينغو.. جنة فوق الجحيم
في القرن الثامن عشر، أصبحت سان دومينغو، كما كانت تُعرف هايتي آنذاك، أغنى مستعمرة فرنسية خارج البر الرئيسي، إذ كانت تُدرّ على فرنسا عائدات تفوق ما تُدرّه جميع مستعمرات أمريكا الشمالية الثلاث عشرة لبريطانيا العظمى. ويعود هذا الثراء في معظمه إلى إنتاج الجزيرة من السكر والبن والنيلة والقطن، والذي كان يُنتجه عمال مستعبدون.
وبحلول عام 1789، بلغ عدد المستعبدين في الجزيرة 465 ألف شخص، وُلد نصفهم في أفريقيا. وجُلبوا إلى هناك وجلبوا معهم تقاليدهم ومعتقداتهم، لكن كان عليهم التكيف مع بيئة مختلفة تمامًا في منطقة الكاريبي، وتعلم لغة مشتركة، وهي الكريول، وهي لهجة من الفرنسية. ومن عناصر الديانات الأفريقية والمسيحية، طوروا مجموعة فريدة من المعتقدات، هي الفودو، التي منحتهم شعورًا بالهوية.
“كان المجتمع الهايتي منقسما بشدة على أساس لون البشرة والطبقة الاجتماعية والجنس”
كان الهيكل الاجتماعي في سان دومينغو دالا على التسلسل الهرمي والتناقض. فقد كان المجتمع الهايتي منقسما بشدة على أساس لون البشرة والطبقة الاجتماعية والجنس. وكان المحررون، ومعظمهم من ذوي البشرة الملونة، يمتلكون عبيدا في بعض الأحيان، ويتطلعون إلى المستويات الاقتصادية والاجتماعية للأوروبيين. ومع ذلك مُنعوا من المشاركة السياسية بسبب النظام القانوني السائد. لقد امتلك بعض السود الأحرار ثلث المزارع وربع العبيد في سان دومينغو، على الرغم من أنهم لم يتمكنوا من تولي مناصب عامة أو ممارسة العديد من المهن.
إعلان
في المقابل واجه المستعبدون ظروفا تفوق الوصف. فقد اعتمدت ربحية المستعمرة على حسابات قاسية، حيث كان من الأرخص استغلال الناس حتى الموت واستيراد أسرى جدد بدلا من ضمان بقائهم على قيد الحياة. ومع ذلك، لم تغب المقاومة قط. فقد شهدت هايتي تاريخا من ثورات العبيد، ولم يكن المستعبدون مستعدين أبدا للخضوع لوضعهم، وبفضل تفوقهم العددي بذل المسؤولون الاستعماريون والمزارعون كل ما في وسعهم للسيطرة عليهم. فيما حافظ “المارون”، وهم العبيد الهاربون الذين لجأوا إلى جبال الجزيرة، على مجتمعات المقاومة لأجيال، من خلال أساليب حرب العصابات التي أثبتت أهميتها الحاسمة في الثورة القادمة.
في باريس، كانت الملكية تلفظ أنفاسها صيف عام 1789 تحت قبضات الثوار. طرحت الثورة الفرنسية منطقا مختلفا وغير مسبوق لعلاقة الحاكم بالمحكومين، مركزه الحرية والفردية، لذا كان من المحتم أن تُثار التساؤلات حول العبودية خلال الثورة. ومع ذلك، احتوى إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي أُعلن كوثيقة تأسيسية لفرنسا الجديدة، على غموض صارخ كشف عن حدود الثورة. فقد صاغ الإعلان مفهوم الحرية بعبارات ملتبسة، إذ نصّ على أن “الناس يولدون أحرارا متساوين في الحقوق. ولا يجوز أن تُبنى الفروقات الاجتماعية إلا على المصلحة العامة”. كانت هذه المفارقة المحورية، ذلك أن ثورة شنت باسم الحرية الإنسانية الشاملة، قررت أن تستبعد صراحة وعمدا أغلبية البشر الخاضعين للحكم الفرنسي.
في سان دومينغو، لم يكن بالإمكان التغاضي عن هذا التناقض. فكلمات الحرية، التي كانت تعبر المحيط الأطلسي، حملت معاني مختلفة لآذان مختلفة. بالنسبة للمزارعين البيض، كانت تعني التحرر من القيود التجارية الفرنسية. أما بالنسبة للمحررين، فكانت تعني المساواة السياسية والمدنية مع المستعمرين البيض. أما بالنسبة للمستعبدين – الذين سمعوا تلك الكلمات همسا من خلال طقوس الفودو وعبر أسوار المزارع، وتناقلها الناس شفويا بلغة كريولية لم يستطع الفرنسيون مراقبتها بدقة – فقد كانت تعني شيئا أكثر جوهرية: نهاية قيودهم.
ثورة المفارقات
لم يكن المستعبدون في سان دومينغو بحاجة إلى الفلسفة الفرنسية ليدركوا أن العبودية خطأ. لكن الفلسفة الفرنسية منحت ثورتهم لغة يصعب على العالم الغربي تجاهلها. وفي ليلة عاصفة من ليالي صيف عام 1791، في فسحة غابة شمال سان دومينغو، وُلدت الثورة الهايتية، تحت قيادة دوتي بوكمان وجورج بياسو وجان فرانسوا بابيون. لاحقا انضم للثورة فرانسوا دومينيك توسان لوفرتور، والذي سيصبح الزعيم السياسي والعسكري الأسود الأكثر تأثيرا في عصره.
“منحت الثورة الفرنسية العبيد في سان دومينغو لغة يصعب على العالم الغربي تجاهلها”
في عام 1793، دخلت إسبانيا، التي كانت تحتل النصف الآخر من الجزيرة، والتي أصبحت جمهورية الدومينيكان لاحقا، في حرب ضد فرنسا عقب إعدام الملك لويس السادس عشر، أحد أفراد سلالة بوربون، التي ينتمي إليها الملك الإسباني شارل الرابع. دعمت مدريد الثوار الهايتيين وعرضت عليهم الانضمام إلى صفوفها والقتال ضد القوة الاستعمارية.
إعلان
وقد قبل توسان لوفرتور ورجاله العرض لأسباب تكتيكية، وعقدوا مع الإسبان تحالفا ظرفيا ضد عدو مشترك. رغم أن العبودية كانت سائدة أيضا في الجانب الإسباني، ولم تُلغَ إلا في عام 1844. لكن فرنسا واجهت هذا التحالف بخطوة أكثر ذكاء. ففي فبراير/شباط 1794، قررت فرنسا إلغاء العبودية. وكان ماكسيميليان روبسبير، عضو جمعية أصدقاء السود في نادي اليعاقبة (الجناح الأكثر تشددا في الثورة الفرنسية والمسيطر آنذاك على المؤتمر الوطني الفرنسي)، قد ناضل ضد استعباد السود في الحقبة الاستعمارية منذ عام 1791.
“ألغت فرنسا العبودية عام 1794 ومنحت الجنسية لما يقرب من مليون عبد في جميع أنحاء مستعمراتها”
وفي خطاب ألقاه أمام الجمعية التأسيسية (المنوطة بكتابة الدستور بعد الثورة) في 13 مايو/أيار عام 1791، ندد روبسبير بوضوحٍ بتجارة الرقيق، مخاطباً المشرعين: “من اللحظة التي تنطق فيها بكلمة العبيد في أحد مراسيمك، ستكون قد أعلنت عارك الشخصي وسقوط دستورك”. وبموجب ذلك منحت فرنسا الجنسية لما يقرب من مليون عبد في جميع أنحاء مستعمراتها. واتصلت السلطات بتوسان لوفرتور لإقناعه بالانضمام إلى صفوف فرنسا في مواجهة إسبانيا، ونجحت إثر ذلك في إلحاق الهزيمة بالإسبان في عام 1795. ليصبح توسان لوفرتور نائب حاكم سان دومينغو، ثم القائد العام للجيش في عام 1797.
إن تعقيد شخصية توسان لوفرتور هو ما يجعله شخصيةً مثيرة للاهتمام والنقاش على الدوام. فقد كان رجلا أسود البشرة، متعاطفا بصدق مع الجمهورية الفرنسية، ومؤمنا بأن القيم العالمية للثورة يمكن، بل يجب، أن تُعمَّم على ذوي البشرة الملونة. ومع ذلك، فقد أدرك أيضا، بوضوح نابع من تجربة شخصية، أن هذه القيم (والحقوق الناجمة عنها) لن تُمنح طواعية، بل يجب انتزاعها. فتفاوض، وناور، وحارب في آنٍ واحد مع وضد قوى استعمارية متعددة، حيث وجدته فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، في لحظاتٍ مختلفة، حليفا وعدوا.
وبحلول عام 1801، أصبح لوفرتور الحاكم الفعلي للجزيرة، فبعد انقلاب 18 برومير (9 نوفمبر/تشرين الثاني) الذي قاده نابليون بونابرت في فرنسا عام 1799، أُلغي النظام الجمهوري الموحد في المستعمرات، ووُضعت تحت حالة الطوارئ. وعندما أُبلغ توسان بهذا الإجراء، شرع بشكل مستقل في صياغة دستور لدولته، ليعين نفسه حاكما مدى الحياة، وجعل الكاثوليكية دين الدولة، وبينما أقر، نظريًا، الحرية العامة، فقد تصوّر إمكانية اللجوء مجددًا إلى العمالة الأفريقية. وألزم المستعبدين سابقا بالعودة إلى العمل في المزارع تحت إشراف عسكري صارم. فلم تكن الحرية، في رؤية توسان، تعني التحرر من كدح الزراعة، بل كانت تعني التحرر من ملكية الأسياد الأفراد.
“لم تكن الحرية، في رؤية توسان، تعني التحرر من كدح الزراعة، بل كانت تعني التحرر من ملكية الأسياد الأفراد”
هذا التناقض الداخلي في مفهوم التحرر داخل الثورة، بين الحرية كمبدأ مطلق وبين ضرورات البقاء الاقتصادي في عالم معادٍ، سيظل يطارد هايتي منذ أيامها الأولى كدولة مستقلة. كما أنه يُفسر لماذا لم تكن الثورة الهايتية مجرد ثورة عبيد، بل تحولا سياسيا معقدا، يحمل في طياته رؤى متنافسة متعددة حول ماهية الحرية ومن يُحددها.
سرعان ما حطمت خطوة نابليون بونابرت في عام 1802 بإرسال حملة عسكرية لاستعادة السيطرة الفرنسية وإعادة العبودية، ما تبقى من أوهام حول نوايا فرنسا. وقع توسان في الأسر غدرا وتوفي في سجن فرنسي في أبريل/نيسان 1803. لكن قرار نابليون كان كارثيا على فرنسا. فقد قاتل المستعبدون في سان دومينغو، الذين شاهدوا إعادة فرض العبودية في غوادلوب واستنتجوا بحق أن المصير نفسه ينتظرهم، وأن الهزيمة تعني العودة إلى الأغلال.
إعلان
هذه النتيجة الكارثية سيعترف بها نابليون في مذكراته لاحقا بالقول: “ألوم نفسي على محاولتي إخضاع هذه المستعمرة خلال فترة القنصلية؛ لقد كان خطأ فادحا رغبتي في إخضاعها بالقوة؛ كان عليّ أن أكتفي بحكمها من خلال توسان. إنها من أكبر الحماقات التي ارتكبتها، والتي ألوم نفسي عليها. كان عليّ أن أدرك استحالة نجاح المشروع الذي تصورته. لقد أخطأت، وأنا مذنب بالتهور، في عدم اعترافي باستقلال سان دومينغو وحكم ذوي البشرة السمراء”.
شبح يخيف العالم
حُسمت الثورة الهايتية عسكريا. كانت معركة فيرتيير، التي دارت في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1803، المواجهة الحاسمة التي أفضت في نهاية المطاف إلى استقلال هايتي عن الحكم الاستعماري الفرنسي، بقيادة جان جاك ديسالين وألكسندر بيتيون. امتدت تداعيات الثورة بسرعة فائقة، فقد أنهت محاولات نابليون لإقامة إمبراطورية فرنسية في نصف الكرة الغربي، وربما دفعت فرنسا إلى بيع ممتلكاتها في أمريكا الشمالية للولايات المتحدة، كما في صفقة لويزيانا، مما مكّن الولايات المتحدة من التوسع غربا.
أحدث نجاح الثورة الهايتية صدمة في أوساط مجتمعات العبيد في العالم الجديد. ولأول مرة في تاريخ هذا العالم، بلغت ثورة العبيد ذروتها بهزيمة ساحقة للمستعمرين البيض. أدرك مالكو العبيد في الأمريكتين مغزى ذلك، فإذا كان هذا ممكنا في أغنى مستعمرة في العالم، فإنه ممكن في أي مكان. لكن لم يكن رد الفعل في الولايات المتحدة التي كانت تمارس العبودية وفي منطقة الكاريبي الاستعمارية هو إلغاء العبودية، بل تشديد آليات السيطرة على العبيد، وزيادة المراقبة، وسن قوانين أكثر صرامة لمنع انتشار العدوى الهايتية.
“إذا كان ما حدث في هايتي ممكنا في أغنى مستعمرة في العالم فإنه ممكن في أي مكان آخر”
وفي جميع أنحاء المزارع الجنوبية في الولايات المتحدة، كثف مالكو العبيد من مراقبتهم وزادوا من وحشيتهم لردع أي متمردين محتملين عن تقليد جيرانهم الهايتيين. ورفضت الولايات المتحدة الاعتراف بهايتي دبلوماسيا لما يقرب من ستة عقود، حتى عام 1862، خلال الحرب الأهلية، عندما أقرّ أبراهام لينكولن أخيرا اعترافه بهايتي جزئيا كبادرة دعم لمشروع التحرير الذي كان جارياً آنذاك. في المقابل كان رد فرنسا أجرأ عمل اقتصادي عقابي في التاريخ. ففي يوليو/تموز 1825، فرضت فرنسا على هايتي دفع مبلغ يعادل عشرة أضعاف ما دفعته الولايات المتحدة لفرنسا في صفقة لويزيانا. وتحت تهديد السلاح تقريبا، رضخت هايتي لمطالب فرنسا سعيا وراء استقلالها.
كان المبلغ باهظا جدا على الدولة الفتية، فاضطرت إلى الاقتراض بفوائد مرتفعة من أحد البنوك الفرنسية. وعلى مدى القرن التالي، دفعت هايتي لملاك العبيد الفرنسيين وذريتهم ما يعادل ما بين 20 و30 مليار دولار أمريكي بقيمة اليوم. رسميا، كان الهدف من الدفع تعويض ملاك المزارع الفرنسيين عن “الممتلكات المفقودة” بعد الاستقلال، لكن المبلغ تجاوز الخسائر الفعلية بكثير.
لكن الخوف من الثورة الهايتية في صفوف معسكر الاستعمار والعبودية لم يمنع تأثيرها الإيجابي. كانت هايتي أول دولة في العالم تعلن أن العبودية جريمة ضد الإنسانية في عام 1807، وهو العام نفسه الذي ألغت فيه بريطانيا قانون تجارة الرقيق. فقد أجبر استقلال هايتي الكثير من الدول على تبني مُثُل مناهضة العبودية، بل على اتخاذ خطوات عملية لتحقيق التحرير فوريا. ففي عام 1816، طلب المناضل سيمون بوليفار الدعم من هايتي في حربه من أجل الاستقلال عن إسبانيا.
واستجابة لذلك، عرض رئيس هايتي آنذاك، ألكسندر بيتيون، مساعدات مادية واقتصادية بشرط موافقة بوليفار على إلغاء العبودية. وفي عام 1819، أسس بوليفار دولة كولومبيا الكبرى، التي تضم اليوم فنزويلا وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وبيرو وبنما. وأعلن عام 1821، تحرير العبيد ومنع العبودية بفضل إصرار الحكومة الهايتية ومساعدتها.
“دعمت هايتي نضال سيمون بوليفار ضد إسبانيا شريطة موافقته على إلغاء العبودية”
ثم تصاعدت موجة إلغاء العبودية التي أطلقتها الثورة الهايتية، حيث ألغت المكسيك العبودية تدريجيا عام 1821، مباشرة بعد حرب استقلالها عن إسبانيا، وحققت التحرر الكامل بحلول عام 1829. وفي عام 1833، بعد عام واحد من ثورة العبيد الكبرى في جامايكا 1831-1832، ألغت بريطانيا العظمى العبودية في المستعمرات مع تطبيق كامل للقرار عام 1838. وألغت فرنسا العبودية نهائيا عام 1848. وشهدت معظم دول أمريكا الجنوبية نهاية العبودية بحلول عام 1850.
إعلان
وقد انتشرت ثقافة تحرير العبيد في العالم في ذلك الوقت، بسبب السيطرة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية الواسعة وسهولة انتقال الأفكار والأخبار والسياسات والتجارب، فضلاً عن تراجع البنية الاقتصادية الإقطاعية وتطور الرأسمالية. وقد بلغت العالم العربي من خلال تونس، التي كانت أول دولة في العالم الإسلامي تمنع تجارة العبيد في عام 1842، في عهد أحمد باي، قبل أن تلغي العبودية بشكل كامل في جميع أنحاء البلاد في مرسوم 23 يناير/كانون الثاني 1846. ورغم أن هذه الخطوة كان بدفع من العسكري والرحالة البريطاني توماس ريد الذي نصح الأمير التونسي بحظر تجارة الرقيق، إلا أنها كانت أيضاً تجد دعما قويا من شيخ جامع الزيتونة، الشيخ إبراهيم الرياحي، الذي كان يملك نفوذا روحيا قويا في البلاد.
السلطة وإنتاج التاريخ
لا تزال الثورة الهايتية الحدث الأكثر جذرية والأقل استيعابا في العصر الحديث. فهي ثورة عبيد وحركة تحرر وطني، مزجت بين الروحانية الأفريقية وفلسفة التنوير الأوروبية. استلهمت من الثورة الفرنسية ونقدت بقوة حدودها. لكن دورها التأثيري والتبشيري في حقبة تحرير العبيد خلال القرن التاسع عشر ظل مطموسا لصالح أدوار أوروبية وأمريكية تدعي أنها قاطرة تلك الحقبة ومحركها.
في عام 1995 نشر أستاذ الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية الهايتي في جامعة شيكاغو ميشيل-رولف ترويو، كتابه الأشهر، “إسكات الماضي: السلطة وإنتاج التاريخ”، لفهم هذا الطمس. تساءل ترويو عن كيفية عمل السلطة في إنتاج الروايات التاريخية، وينتهي إلى أن هياكل السلطة غير المتكافئة تعمل على خلق وتعزيز روايات تاريخية تحتوي على “كمّ هائل من الصمت”، لا يقتصر وجودها على الدراسات التاريخية الأكاديمية فحسب، بل يشمل المصادر والأرشيفات، وبشكل أوسع، كيفية احتفاظ المجتمعات بذكريات الماضي، ورواية القصص، وتحديد الأهمية التاريخية. مستخدما الثورة الهايتية ليُبيّن كيف طُمِسَ التاريخ في كل من التأريخ الغربي والذاكرة العامة.
“تتحدى ثورة هايتي معتقدات الغرب الأساسية وقناعاته المتأصلة”
فهو يرى بأن هذه الثورة المناهضة للاستعمار، التي قادها عبيد سابقون حرروا أنفسهم، مثّلت تاريخا لا يُمكن تصوره بالنسبة للغرب لأنها تحدّت معتقدات أساسية. وهي المعتقدات أو القناعات المُتأصلة في القانون والفلسفة وعلم الأعراق في عصر التنوير، وفي البنى الاقتصادية التي قام عليها العالم الأطلسي بأكمله، وخلاصتها أن المستعبدين من أصل أفريقي لم يكونوا بشرا كاملين، وبالتالي لا يُمكن أن يكونوا فاعلين في التاريخ، فهم متأثرين بالتاريخ لا مؤثرين فيه.
دخلت الثورة الهايتية التاريخ بصفة فريدة، وهي أنها كانت غير قابلة للتصور حتى في لحظة وقوعها. لذلك يعتقد ترويو أن “الاستعمار شكّل الدافع الأقوى لتحويل النزعة العرقية الأوروبية إلى عنصرية علمية”، حيث تم تبرير استعباد السود كنتيجة لدونيتهم البيولوجية المتأصلة.
ولأول مرة، نُظر إلى الإنسانية من منظور درجات متفاوتة، حيث اعتُبرت بعض الجماعات أكثر إنسانية من غيرها. وساد الاعتقاد بأن الأفارقة المستعبدين وذريتهم لا يستطيعون تصور الحرية، ناهيك عن وضع إستراتيجيات لنيلها والحفاظ عليها. لذلك كانت تداعيات ذلك على كتابة التاريخ كارثية.
حاول الفرنسيون إنكار وقوع الثورة، لكنهم لم يستطيعوا إنكارها كليا في نهاية المطاف، فانتشرت شائعات بأن البيض والمولودين من أبناء عرقين مختلفين هم من حرضوا على التمرد. يقول ترويو: “كان كل حزب يعتقد أن عدوه المفضل هو المتآمر الأرجح وراء انتفاضة العبيد”. فلا أحد كان قادراً على تصور أن العبيد أنفسهم هم المتآمرون، لكنهم كانوا كذلك.
“حتى أولئك الأوروبيون الذين استطاعوا تخيّل مستقبل بلا عبودية لم يستطيعوا تصوّره بالكامل نابعًا من المستعبدين أنفسهم”
وبمعنى آخر، فحتى أولئك الأوروبيون الذين استطاعوا تخيّل مستقبل بلا عبودية لم يستطيعوا تصوّره بالكامل نابعًا من المستعبدين أنفسهم. فالحرية، في هذا السياق، كانت هبة من قِبَل مشرّعين مستنيرين ومن خلال التقدّم الأخلاقي ومن خلال التغريب التدريجي للشعوب المُستعمَرة. ولم تكن شيئًا يُنظّمه كاهن من مجتمع فودو وعبدٌ هاربٌ من أصل جامايكي في فسحة غابة شمال هايتي.
ويحدد ترويو أربع عمليات أساسية في إنتاج السرد التاريخي الذي يخلق التهميش. أولا عملية صناعة المصادر والتحكم فيها. لقد قاد الثورة أناسٌ حُرموا من التعليم بحكم نظام العبودية. لذا، كُتب السجل الوثائقي لتجربتهم بالكامل تقريبًا من قِبل أعدائهم الذين كان لديهم كل الأسباب لتشويه ما كانوا يعيشونه من ثورة ضدهم.
والعملية الثانية هي تجميع الأرشيفات. فقد بذلت الدول المالكة للعبيد قصارى جهدها لقمع الثورة، وتجلى هذا القمع في مستوى ما تم حفظه وما تم تدميره، لاسيما الوثائق التي سجلت نجاحات الثورة، والتي ذكرت أسماء قادتها باحترام، والتي أقرت ببراعة إستراتيجيتها العسكرية، والتي كانت أقل عرضة للحفظ والتصنيف والإتاحة للمؤرخين اللاحقين مقارنةً بالوثائق التي خدمت الروايات الاستعمارية.
أما العملية الثالثة فهي كتابة التاريخ. فقد استُخدمت “صيغتان مختلفتان للتهميش والطمس”. الأولى تنطوي على محو الثورة الهايتية تمامًا من خلال حذفها من الأرشيف، والثانية تسعى إلى التقليل من شأنها بتجاهل عناصرها الجذرية والفريدة. ومن أمثلة الصيغة الأولى، أن كتاب إريك هوبسباوم “عصر الثورات: 1789-1848” لا يكاد يشير إلى الثورة الهايتية. فيما قلل المؤرخون الفرنسيون طويلا من أهمية خسارة هايتي، أثمن ممتلكات فرنسا الاستعمارية.
أما الصيغة الثانية، فهي التبسيط المفرط، والتي كانت في بعض النواحي أشدّ خبثًا من التجاهل التام. فعندما تُذكر الثورة الهايتية، كان يُنظر إليها عادةً على أنها مشتقة، أي نتاجٌ لانتشار مُثُل الثورة الفرنسية إلى المستعمرات، بدلًا من كونها حدثًا مستقلًا له منطقه الداخلي وروحانيته وبنيته الفكرية الخاصة. فحتى مجرد ذكر الثورة الهايتية لم يكن بالضرورة اعترافًا بدور الجماهير السوداء.
وإذا حضرت أي ملامح للإعجاب بالثورة فإنها كانت توجه حصرا إلى أكثر قادة الثورة “تأثرًا بالثقافة الأوروبية”، مثل الجنرال توسان لوفرتور، بدلًا من الحركة الثورية الأوسع وأسسها الأفريقية. وأخيرا، تأتي عملية إضفاء الأهمية بأثر رجعي. فتاريخ الثورة الهايتية يُصوَّر إما كنضال من أجل حرية السكان المستعبدين في مستعمرة سان دومينغو الفرنسية، وفقا للرواية الهايتية، أو كثورة عبيد غير شرعية كان لا بد من قمعها بحسب الرواية الفرنسية والأمريكية والبريطانية. ولأن كتابة التاريخ مرتبطة بالسلطة والإمبراطوريات والدولة القومية، ولأن نمط كتابة التاريخ الذي هيمن على العالم آنذاك هو النمط الغربي، فقد طغت الرواية الأخيرة على الأولى، وأصبحت الثورة الهايتية حدثًا غير ذي أهمية في نظر التأريخ الغربي.
“قمع الأهمية التاريخية لهايتي والخنق الاقتصادي للدولة الهايتية ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل وجهين لمشروع واحد”
رغم قوة الموجة الغربية التهميشية، بذل باحثون هايتيون ومثقفون كاريبيون وأفراد من الشتات الأفريقي في جميع أنحاء العالم، جهدا كبيرا لبناء أرشيف مضاد. ولا يوجد عملٌ واحدٌ يبرز في هذا الأرشيف المضاد أكثر من كتاب سي إل آر جيمس “اليعاقبة السود: توسان لوفيرتور وثورة سان دومينغو”، الذي نُشر عام 1938. ففي وقت نشره، لم يكن من المألوف اعتبار الثورة الهايتية حدثاً بالغ الأهمية، لا يقل أهمية عن الثورتين الأمريكية والفرنسية اللتين وقعتا أيضا في أواخر القرن الثامن عشر.
جلب جيمس، وهو ماركسي من ترينيداد عاش تجربة مباشرة للاستعمار الكاريبي، إلى الثورة ما عجز عنه المؤرخون الأوروبيون، وهو منظور شخص لم تكن مسألة تقرير المصير للسود بالنسبة له مجرد تمرين فكري، بل قضية وجودية. مصرا على معاملة المستعبدين في سان دومينغو كفاعلين تاريخيين، أي كمفكرين وإستراتيجيين وفاعلين سياسيين، في وقت كانت فيه مهنة التأريخ الغربية تنكر لهم هذا الوضع بشكل بديهي بسبب لون بشرتهم.
وربما لا يمكن فهم سبب إحكام القوى الإمبريالية الغربية قبضتها الاستعمارية الجديدة على هايتي منذ ذلك الحين إلا بإدراك الأهمية التاريخية العالمية والإلهام الذي أحدثته الثورة الهايتية. وهو ما أدركه جيمس، قبل ظهور مصطلحات نظرية ما بعد الاستعمار، من أن قمع الأهمية التاريخية لهايتي والخنق الاقتصادي للدولة الهايتية ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل وجهين لمشروع واحد، هو الدفاع عن التسلسل الهرمي العرقي في مواجهة صحوة العبيد.