روكب اليوم
لكنْ خلف الحديث عن موقع غرينلاند وثرواتها وممرات القطب الشمالي، تقف قضية أخرى أكثر ارتباطا بسكان الجزيرة أنفسهم: ماذا يريد الغرينلانديون؟ وهل يرون مستقبلهم جزءا من الولايات المتحدة؟
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
ينحدر أغلب سكان غرينلاند من شعب الإنويت، الذين وصل أسلافهم إلى الجزيرة من مناطق سيبيريا قبل قرون طويلة، وحافظوا على هوية وثقافة مميزتين. ويتحدث السكان لغة غرينلاندية محلية إلى جانب الدانماركية المستخدمة في المعاملات الرسمية.
ورغم المساحة الهائلة للجزيرة، فإن طبيعتها المناخية القاسية جعلت التجمعات السكانية تتركز في مناطق محدودة ومتباعدة، بينما يمثل صيد الأسماك وتصديرها النشاط الاقتصادي الأبرز. كما تعتمد غرينلاند بدرجة كبيرة على دعم مالي سنوي تقدمه الدانمارك لتمويل قطاعات وخدمات أساسية.
من الاستعمار إلى الحكم الذاتي
ترتبط غرينلاند بالدانمارك منذ القرن الثامن عشر، قبل أن تصبح عام 1953 جزءا من مملكة الدانمارك بموجب تعديلات دستورية. وفي عام 1979، حصلت الجزيرة على حكم ذاتي، قبل أن تتوسع صلاحياتها بصورة كبيرة عام 2009، فأصبحت تدير معظم شؤونها الداخلية، بينما بقيت ملفات الدفاع والسياسة الخارجية ضمن اختصاص كوبنهاغن.
لكنّ العلاقة بين غرينلاند والدانمارك تحمل أيضا إرثا استعماريا ثقيلا، إذ شهدت العقود الماضية ممارسات أثارت انتقادات واسعة، بينها نقل أطفال قسرا وممارسات تتعلق بوسائل منع الحمل استهدفت نساء وفتيات من السكان الأصليين. وبعد سنوات من الجدل، قدمت الحكومة الدانماركية اعتذارات عن بعض تلك الممارسات.
الجزيرة التي جذبت واشنطن
لم تكن أهمية غرينلاند وليدة التنافس الأمريكي الروسي الصيني الحالي. فقد أدركت واشنطن أهميتها الإستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت الجزيرة قاعدة مهمة للطائرات الأمريكية وموقعا لمراقبة التحركات الألمانية في شمال المحيط الأطلسي، بعد احتلال ألمانيا للدانمارك.
ومع انتهاء الحرب، لم تغادر الولايات المتحدة الجزيرة، بل عززت وجودها العسكري في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وأبرمت واشنطن وكوبنهاغن اتفاقات دفاعية أتاحت للولايات المتحدة إقامة منشآت عسكرية في غرينلاند، من بينها قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي تضم منشآت للرصد والإنذار المبكر، وتؤدي دورا في مراقبة المجال الصاروخي والفضائي.
ومع عودة التنافس بين القوى الكبرى إلى القطب الشمالي، ازدادت أهمية غرينلاند بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب موقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وإنما أيضا لما يُعتقد أنها تختزنه من موارد معدنية مهمة، فضلا عن موقعها على طرق وممرات بحرية قد تزداد أهمية مع ذوبان الجليد.
حسابات خاصة
وبينما تنظر واشنطن إلى غرينلاند من زاوية الأمن القومي والموقع الإستراتيجي والثروات الطبيعية، ينظر سكان الجزيرة إلى المسألة من زاوية مختلفة: الهوية والسيادة وحق تقرير المستقبل. وأظهر استطلاع للرأي أُجري في غرينلاند أن نحو 85% من السكان يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى ورؤية السكان لمستقبل جزيرتهم.
ولم يقتصر الموقف على استطلاعات الرأي، إذ اتخذت الأحزاب السياسية في غرينلاند موقفا مشتركا من القضية، في رسالة واضحة بشأن تمسك السكان بهويتهم. وجاء في بيان مشترك لقادة الأحزاب السياسية “نحن لا نريد أن نكون أمريكيين، نريد أن نكون غرينلانديين”.