
روكب اليوم
Published On 11/10/2026
قد تبدأ المسألة في لحظة دافئة وهادئة، في أحد أركان المنزل بعد يوم عمل طويل: زوجة تصغي إلى هموم زوجها، وتساعده في قراراته، وتذكره بمواعيده وصحته وعمله، بدافع الاهتمام والخوف عليه والرغبة في تجنيبه الخطأ.
لكن مع مرور الوقت، قد يتسع هذا الدور حتى يتحول إلى نمط يومي يطغى على العلاقة، فينتقل الحوار من تبادل الحكايات والمشاعر إلى سلسلة متواصلة من النصائح والتوجيه والتصحيح.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listعندها قد يشعر أحد الطرفين بأنه لم يعد يعيش مع شريك يشاركه الحياة، بل مع شخص يراقب تصرفاته، ويفسر مشاعره، ويحاول باستمرار دفعه إلى أن يكون أفضل.
عندما يصبح الاهتمام تدخلا
من الطبيعي أن يعرف الزوجان نقاط ضعف بعضهما، وأن يقدما الدعم عندما يحتاجه أحدهما، لكن هناك فرقا بين أن تسأل شريكك: “كيف يمكنني مساعدتك؟” وأن تتولى تلقائيا مهمة حل مشكلاته.
فقد يظهر التدخل في صورة أسئلة متكررة عن المشاعر، أو تقديم حلول لمشكلة لم يطلب صاحبها رأيا فيها، أو تذكير دائم بما ينبغي فعله، أو تفسير تصرفات الشريك نيابة عنه، مثل: “أنت تفعل ذلك لأنك غاضب” أو “لا تتصرف هكذا إلا عندما تكون متوترا”.
ومع تكرار هذا النمط، قد يتحول الحوار اليومي إلى ما يشبه جلسة تقييم، حتى عندما لا يريد أحد الطرفين سوى أن يحكي عن يومه أو يفرغ ما بداخله.
وهنا تظهر أهمية الاستماع نفسه.فبحسب الجمعية الأمريكية لعلم النفس، قد يكون الاستماع دون إصدار أحكام، عاملا مهما في تعزيز الشعور بالاتصال بين الأشخاص، بينما لا يعني الاستماع الحقيقي مجرد الصمت حتى ينتهي الطرف الآخر من الكلام، بل محاولة فهم تجربته بدلا من التفكير في الرد أو الحل أثناء حديثه.
الشريك ليس مشروعا يحتاج إلى إصلاح
إحدى المشكلات التي قد تنتج عن هذا النمط هي تراجع الإحساس بالشراكة داخل العلاقة. فعندما يصبح أحد الطرفين في موقع من ينصح ويصحح، بينما يكون الآخر في موقع من يتلقى التعليمات، قد تتغير طبيعة العلاقة تدريجيا من شراكة إلى علاقة أقرب إلى الإدارة.
لا يعني ذلك أن تقديم النصيحة أمر سيء. المشكلة في تحول النصيحة إلى الأسلوب الافتراضي في التعامل.
فالشخص الذي يعتاد أن يخبر شريكه كيف يأكل، ومتى ينام، وكيف يتعامل مع عمله، وماذا يقول لأسرته، وكيف ينظم أمواله أو يتعامل مع مشكلاته، قد يجد نفسه من دون قصد في دور أقرب إلى المدير منه إلى الزوج أو الزوجة.
وتشير دراسة كندية نشرت عام 2025 في مجلة العلاج الزوجي والأسري، أجراها باحثون من جامعات في كيبيك وتورونتو، إلى أن انخفاض شعور أحد الشريكين بالاستقلالية داخل العلاقة ارتبط بانخفاض رضاه عنها، سواء على المستوى اليومي أو بعد فترة من الزمن.
بمعنى آخر، لا تختفي حاجة الإنسان إلى أن يكون جزءا من علاقة قريبة لمجرد أنه يريد أيضا الاحتفاظ بمساحته الخاصة وقدرته على اتخاذ قراراته والتصرف وفقا لما يراه مناسبا له.
أحيانا نريد أن نساعد أكثر مما يريد الطرف الآخر
قد يكون من الصعب أن ترى شريكك يواجه مشكلة ثم تتركه يتعامل معها بطريقته، خصوصا إذا كنت تعتقد أنك تعرف الحل أو مررت بتجربة مشابهة من قبل.
لكن الرغبة في المساعدة لا تعني بالضرورة أن التدخل هو ما يحتاج إليه الطرف الآخر؛ فقد يكون كل ما يريده أحيانا أن يحكي ما يمر به وأن يشعر بأن شريكه يسمعه ويفهمه، لا أن يحصل على حل أو تحليل لشخصيته.
ويوضح عالم النفس والباحث في العلاقات ديف سمالين، في مقال نشره موقع “سايكولوجي توداي” (Psychology Today)، أن الشركاء قد يقدمون أشكالا مختلفة من الدعم، من بينها الاحتواء العاطفي والمساعدة العملية وتقديم النصائح، وقد يحدث التعثر عندما يبحث أحد الطرفين عن الاستماع والتفهم، بينما يرد الآخر بطرح حل للمشكلة.
لذلك قد يكون السؤال البسيط: “هل تريدني أن أستمع فقط، أم تريد رأيي؟” طريقة لمنح الشريك فرصة لتحديد نوع الدعم الذي يحتاج إليه، بدلا من افتراضه نيابة عنه.
من “أنا أعرف ما يناسبك” إلى “ماذا تحتاج مني؟”
لا يعني ذلك أن يتوقف الزوجان عن تبادل النصح، وإنما أن يتحول من عادة يومية إلى استجابة لحاجة واضحة أو طلب مباشر.
ويمكن البدء بالاستماع قبل تقديم الحلول، والسؤال عما يحتاج إليه الطرف الآخر بدلا من افتراضه، مع احترام حقه في اتخاذ قراراته حتى عندما يختار ما يخالف رأيك.
ومن المهم أيضا التعبير عن الحاجة بدلا من توجيه اللوم، وجعل الطلبات محددة وقابلة للتنفيذ، مع تقدير ما ينجزه الطرف الآخر بدلا من التركيز الدائم على ما لم يفعله.
فالنصح المستمر قد يدخل الزوجين في دائرة متكررة: كلما شعر أحدهما بأن الآخر لا يستجيب، زاد التذكير والإلحاح، وكلما زاد الضغط، مال الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه أو الانسحاب، فيزداد الضغط و الإلحاح.
ويصف معهد غوتمان المتخصص في أبحاث العلاقات الزوجية هذا النمط في بعض العلاقات بـ”الملاحقة والانسحاب”، حيث يسعى أحد الطرفين إلى النقاش والحل، بينما يبتعد الآخر أو يدافع عن نفسه.
ومع تكرار هذه الدورة، لا تعود المشكلة في الطلب الأصلي، وإنما في النمط الذي يحكم تفاعل الزوجين. لذلك، لا يفيد البحث عن طرف واحد يقع عليه اللوم بقدر ما يفيد أن ينتبه الاثنان إلى هذه الدائرة ويحاولا كسرها.
كيف تتغير المعادلة؟
لا تتوقف عن تقديم النصائح لشريكك، لكن تعلم متى يكون الشريك بحاجة إلى النصيحة ومتى يكون بحاجة إلى الدعم العاطفي والاستماع.
من المهم أيضا احترام حق الشريك في اتخاذ قراره مهما كانت نصيحتك، واستبدال تفسير مشاعر الشريك بالسؤال عنها؛ فبدلا من القول: “أنت غاضب لأنك متوتر”، يمكن سؤاله: “هل تشعر بالتوتر؟”.
الشريك ليس مشروعا يحتاج إلى إصلاح، والزوجة ليست مطالبة بأن تكون معالجة نفسية لزوجها. وقد يكون أفضل ما تقدمه أحيانا أن تصغي دون أن تعلق، وأن تثق بقدرته على إدارة شؤونه، وأن تترك له مساحة ليخطئ ويتعلم بطريقته.