
تشهد كواليس المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة حراكاً معقداً ومكثفاً حول النسخة الأخيرة من مسودة مذكرة التفاهم الرامية لإنهاء الحرب المستمرة بين البلدين منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وتأتي هذه التطورات بعد موجة تصعيد هددت خلالها طهران بقطع المفاوضات كلياً في حال أقدمت إسرائيل على ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت؛ مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التدخل الحاسم لضبط حليفه الإسرائيلي. ونقلت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية أن ترامب أجرى اتصالاً حاداً برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجه له فيه توبيخاً صارماً لوضع حد لتهديداته وضمان استمرار المسار الدبلوماسي.
وعلى الرغم من تواصل تبادل الرؤى عبر الوسيط الباكستاني، ودراسة طهران للمسودة النهائية المقدمة من واشنطن، إلا أن الحرب لا تزال تعيش حالة من الجمود الميداني دون إحداث انفراجة ملموسة حتى الآن، ليبقى مضيق هرمز شبه مغلق بين التدابير الإيرانية والحصار الأمريكي المفروض.
ولم تقدم إيران رداً نهائياً على المقترح الخاص بالاتفاق المؤقت؛ إذ أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (مهر) نقلاً عن مصدر مطلع، أن طهران تتبنى نهجاً “متشدداً” في تفاصيل الصياغة، نظراً لغياب الثقة وسجل واشنطن السابق في عدم الالتزام بالاتفاقات الدولية.
إيران توافق على ما رفضته سابقا
وفي المقابل، كشف وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، خلال مثوله أمام لجنتين بمجلسي النواب والشيوخ لعرض الميزانية السنوية، عن تطور دبلوماسي لافت؛ مشيراً إلى أن إيران وافقت بالفعل على التفاوض بشأن جوانب تقنية من برنامجها النووي كانت ترفض سابقاً مجرد مناقشتها.
ومع ذلك، لفت روبيو إلى أن هذا التنازل لا يضمن بالضرورة التوصل لاتفاق نهائي ينهي الحرب. وجدد الوزير شروط واشنطن الصارمة، مؤكداً أن الخطوة الأولى هي إعادة فتح مضيق هرمز، ومشدداً على أن طهران لن تنال أي تخفيذ للعقوبات الاقتصادية لمجرد فتح الممر المائي، بل سيرتبط التخفيف بمدى تلبية الشروط النووية.
كما نوه روبيو برصد مؤشرات تؤكد تزايد مشاركة المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، في صناعة القرار الإيراني.
وفيما صرح الرئيس ترامب بأن المفاوضات مستمرة وأنه يتوقع التوصل لاتفاق لتمديد وقف إطلاق النار وفتح المضيق خلال الأسبوع المقبل، نقلت وكالة “فارس” الإيرانية عن مصدر مطلع رواية مغايرة، أفادت بتوقف تبادل الرسائل بين الطرفين منذ بضعة أيام، لافتة إلى أن أحدث رسالة وجهتها طهران لواشنطن كانت “رسالة واضحة بشأن لبنان” دون الخوض في التفاصيل.
وتسعى طهران، بحسب مصادر مطلعة، للدفع نحو اتفاق مؤقت ومحدود لتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية المتزايدة عليها، مع تجنب تقديم تنازلات كبرى تمس جوهر برنامجها النووي. ويتزامن ذلك مع ضغوط داخلية يواجهها ترامب لإعادة فتح المضيق وكبح أسعار الوقود في السوق الأمريكية دون الظهور بمظهر من يقدم تنازلات مجانية لإيران.
وعلى الصعيد الميداني، يبقى التأهب العسكري الإيراني في أعلى مستوياته؛ إذ أكد محمد جعفر أسدي، معاون قائد مقر خاتم الأنبياء (غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة)، عبر التلفزيون الرسمي أن إيران لن تستسلم مطلقاً للمطالب الأمريكية، ملوحاً بأن البديل عن الاستسلام هو الاستعداد الدائم للحرب. كما هددت طهران بتوسيع نطاق حصارها البحري ليشمل مضيق باب المندب إذا استأنفت إسرائيل غاراتها على بيروت.
وفي غضون ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن بحريته منحت تصاريح عبور لـ 24 سفينة خلال الـ 24 ساعة الماضية بموجب نظام التسجيل الإجباري الذي استحدثته طهران لتنظيم الحركة وتوجيه السفن في مضيق هرمز، مؤكداً إلزام ملاك السفن وقباطنتها بإرسال طلبات العبور مسبقاً.
ووفقاً لبيانات “هيئة إدارة الممر المائي لمضيق هرمز” التابعة لطهران، فقد تقدمت أكثر من 300 سفينة غير مرتبطة بإيران بطلبات للحصول على تصاريح عبور منذ أبريل الماضي، شكلت ناقلات النفط، وسفن شحن البضائع السائبة، وناقلات الغاز المسال غالبيتها العظمى.
وأشارت البيانات إلى أن 77% من السفن المتقدمة كانت تسعى لمغادرة الخليج العربي نحو وجهات آسيوية في مقدمتها الصين والهند، مقابل 23% تقدمت بطلبات للدخول وكان الإمارات وجهتها الأكبر.
وبالتزامن مع هذه الإجراءات، رصدت صور الأقمار الصناعية الحديثة انتشار ما لا يقل عن 25 زورقاً بحرياً إيرانياً يتمركزون في منتصف المضيق لإحكام السيطرة ومنع مرور أي سفينة لم تنل تصريحاً مسبقاً.
وعلى المسار الدبلوماسي الموازي، كشف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في تصريحات نقلتها وكالة بلومبرغ، أن أنقرة تلعب دوراً ميسراً ومساعداً في المفاوضات الدائرة بين طهران وواشنطن، مؤكداً وجود جهود صادقة من الطرفين لإطالة أمد الهدنة الملتزم بها إلى حد كبير منذ أوائل أبريل. واستدرك فيدان محذراً من أن نيات إسرائيل غير واضحة، وأن استمرار تصعيدها العسكري في لبنان يمثل خطراً جسيماً قد يعصف بكامل المحادثات الدبلوماسية.