روكب اليوم
2026-09-29 22:23:00

تحليل بقلم ديفيد غولدمان من شبكة روكب اليوم
(روكب اليوم)– تعمل الدول الخليجية المنتجة للنفط – بدعم كبير من البحرية الأمريكية – على تمرير كميات ضخمة من النفط الخام عبر مضيق هرمز، وذلك تحت أنظار إيران مباشرة.
فقد بلغ متوسط تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر هذا الممر المائي الحيوي 13.1 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي، وذلك وفقاً لبيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع البيانات البحرية.
وتمثل هذه الكمية ما يقل قليلاً عن 80% من إجمالي 17.1 مليون برميل كانت تعبر المضيق يومياً قبل اندلاع الحرب.
وفي هذا الصدد، قال مات سميث، مدير أبحاث السلع في شركة “كبلر”: “بالنظر إلى هذه الأحجام الكبيرة التي تعبر المضيق، يتضح أن إيران تفقد نفوذها عليه“.
ويُعد هذا الإنجاز ثمرة لعملية معقدة تشمل عمليات نقل مكوكية بحماية عسكرية، تتضمن عبوراً سرياً – أو ما يُعرف بـ “العبور المظلم” (دون تتبع إلكتروني) – للمضيق؛ مما ساعد في استعادة تدفقات كبيرة لنفط الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين.
ومما زاد من حركة المرور في المضيق مؤخراً، عودة تدفق النفط السعودي الذي كان قد حُوّل مساره في المقام الأول نحو البحر الأحمر، وذلك قبل أن يشن الحوثيون في اليمن – حلفاء إيران – هجوماً على خط أنابيب النفط السعودي الرئيسي “شرق-غرب” في وقت سابق من هذا الشهر.
ويبقى السؤال الجوهري: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع الراهن؟ إذ يكرس الجيش الأمريكي موارد هائلة في المنطقة لمجرد ضمان مرور النفط، في حين تواصل المخزونات العالمية انخفاضها لتقترب من أدنى مستوياتها التشغيلية، وتظل أسعار الوقود عند مستويات قياسية أو قريبة منها.
وفي غضون ذلك، بدأت إيران – التي وُضعت في زاوية حرجة – في الرد ومحاولة استعادة زمام المبادرة.
سوق في حالة ترقب وتوتر
يبدو أن سوق النفط لا تزال تمتلك حلولاً ووسائل غير محدودة لإيصال النفط إلى العملاء، وذلك رغم تعرض العالم لأكبر صدمة في الإمدادات على الإطلاق.
فقد تراجعت مخزونات النفط العالمية بنحو ملياري برميل خلال فترة الحرب المتعلقة بإيران – وفقاً لبيانات بنك “جي بي مورغان” – إلا أن السوق صمدت أمام هذه التحديات.
وحققت السوق هذا الإنجاز اللافت من خلال حلول مبتكرة مثل تغيير مسارات خطوط الأنابيب وخدمة النقل المكوكية المدعومة عسكرياً، فضلاً عن زيادة الإنتاج من خارج منطقة الخليج، والأهم من ذلك كله، الانخفاض العالمي الكبير في الطلب.
ولا تزال أسعار النفط مرتفعة عند مستويات تثير القلق، إلا أن الحلول المبتكرة التي ابتكرها السوق حالت دون اقتراب سعر الخام من المستوى القياسي الذي سجله في 2008.
ومع ذلك، فإن الوضع الراهن في مضيق هرمز لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
ويُعد النفط سلعة مادية ملموسة، وفي نهاية المطاف ستفرض قوى السوق نفسها. فمع تفوق معدلات السحب من مخزونات النفط الخام على معدلات الإيداع فيها، سيصل السوق في النهاية إلى تلك النقطة الحرجة التي طالما تم التنبؤ بها والخشية منها؛ وهي النقطة التي تصبح عندها المخزونات غير كافية لتلبية الطلب.
وحين يحدث ذلك، ستضطر أسعار النفط إلى الارتفاع الصاروخي لكبح الطلب بما يكفي للحفاظ على توازن السوق.
ولا أحد يعلم على وجه الدقة متى سيحدث ذلك.
وتوقفت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في بنك “جي بي مورغان”، عن محاولة التكهن بالأمر، إذ أقرت كانيفا -في مذكرة وجهتها للعملاء قبل أسبوعين- قائلة: “لأول مرة منذ اندلاع الصراع مع إيران، ليس لدينا تصور أساسي للوضع؛ فنحن ببساطة لا نعرف كيف نضع نموذجاً للسيناريو النهائي“.
وترى كانيفا أن جوهر المسألة لم يعد مرتبطاً بمدة استمرار الحرب، بل بقدرة السوق على توفير الكميات الفعلية من النفط التي يطلبها العملاء.
وقد يكون الأمران مترابطين؛ ففي غياب حل حقيقي للأزمة في مضيق هرمز، سيتعين على العالم أن يعلق آماله على صمود مخزونات السوق.
من يكترث لذلك؟
تشكل آليات السوق هذه مادة خصبة للنظريات الاقتصادية وتحليلات العرض والطلب، لكنها من الناحية العملية لم يكن لها تأثير يُذكر على جيوب الناس.
فقد ظلت أسعار النفط تحوم فوق مستوى 90 دولاراً للبرميل طوال الشهر، وقضت معظم أيام سبتمبر/ أيلول فوق حاجز 100 دولار، كما تقترب أسعار البنزين من أعلى مستوياتها المسجلة منذ بدء الحرب.
أما الديزل -الذي يواجه تداعيات كل من الحرب مع إيران والحرب الروسية الأوكرانية- تجاوز سعره الرقم القياسي السابق في وقت سابق من هذا الشهر، ليصبح سعره أعلى بكثير من 6 دولارات للجالون.
إن حقيقة عدم وصول سعر النفط إلى 150 دولاراً (على الأقل ليس بعد) لا تمثل عزاءً يُذكر للأمريكيين الذين يضطرون لإنفاق 100 دولار لملء خزانات وقود سياراتهم، أو للشركات التي تتحمل رسوماً إضافية باهظة للوقود مقابل عمليات التوصيل والشحن.
وفي ظل غياب معلومات جديدة جوهرية، تحركت السوق خلال الأشهر الأخيرة بناءً على احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام، حيث كان لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة -طوال فترة الحرب- حول اتفاق محتمل ووشيك مع إيران لإعادة فتح المضيق، تأثير هائل على أسعار النفط؛ وهو تأثير فاق بكثير تأثير حركة براميل النفط الفعلية على أرض الواقع.
لكن هذا الوضع تغير بعض الشيء في وقت سابق من هذا الشهر، حين قصف الحوثيون خط أنابيب النفط السعودي (شرق-غرب)، مما أدى إلى توقف مؤقت لتدفق نحو 7 ملايين برميل من النفط باتجاه البحر الأحمر؛ وهي كمية كان قد تم تحويل مسار أكثر من نصفها بعيداً عن مضيق هرمز.
واقتربت أسعار النفط من حاجز 110 دولارات للبرميل قبل أن تكشف السعودية عن حل بديل ومبتكر، حيث أثبتت قدرة لافتة على التكيف مع الموقف وأعادت توجيه تدفق النفط ليمر مجدداً عبر مضيق هرمز.
وفي غضون ذلك، أظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية، الأحد، أن جميع الأرصفة السبعة في ميناءين رئيسيين- في ينبع والمعجز- كانت مفتوحة وتعمل.
وفقًا لشركة “كيبلر”، فإن خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب، الواقع على الساحل الغربي للمملكة، يشير إلى عودة إنتاجه إلى مستوياته السابقة.
هل يمكن الحفاظ على هذه الكميات؟
وقالت كانيفا في مذكرتها الصادرة مطلع هذا الشهر: “يبدو أن الحل البديل ناجح في الوقت الراهن، طالما سمحت إيران بذلك“.
وكانت إيران، العاجزة عن إيصال نفطها عبر المضيق بسبب الحصار البحري الأمريكي، وفقدانها مصدرًا رئيسيًا لنفوذها الاقتصادي، صعّدت من هجماتها على ناقلات النفط العابرة للخليج.
وأشار سميث إلى أنه “ليس من المستغرب أن تصبح الهجمات على ناقلات النفط أكثر شيوعًا، حيث تسعى إيران إلى ردع عمليات العبور”، وأضاف: “نتوقع استمرار هذا الوضع مع سعي إيران لاستعادة سيطرتها على المضيق“.
وهكذا، لا يزال سوق النفط في حالة جمود: جهد عسكري أمريكي متزايد يُبقي الوضع الراهن غير المستدام مرتفعًا، مما يُبقي الأسعار مرتفعة على الشركات والمستهلكين.