



يؤكد عضو هيئة التدريس بقسم الأحياء في جامعة عدن سالم بسيس، أهمية التمييز بين النوعين من الغربان: الغراب الهندي الدخيل (Invasive Species)، والغراب مروحي الذنب (أو الغداف) (Corvus rhipidurus)، وهو غراب محلي أصيل يعيش في المناطق الجبلية والصخرية والبيئات المفتوحة، ويتخذها أماكن للتعشيش بعيدًا عن التجمعات الحضرية.
وقد انحسر وجوده في بعض المناطق، لكنه يظل جزءًا طبيعيًا ومهمًا من النظام البيئي المحلي، ويتميز بريشه الأسود اللامع وذيله القصير ذي الشكل المروحي، وقدرته العالية على التكيف مع البيئات الصحراوية والجافة، حيث يتغذى على الجيف والحشرات والقوارض الصغيرة والحبوب والثمار وبقايا الطعام، ويُعد “منظفاً للبيئة” فضلًا عن كونه جزءًا من السلسلة الغذائية.
ويشير بسيس إلى أنه لا يُعد، وفق طبيعة سلوكه وموائله، تهديدًا للإنسان أو للنظم البيئية، ولذلك ينبغي الحفاظ عليه وحماية موائله الطبيعية، وعدم الخلط بينه وبين الغراب الهندي الدخيل.
أما الغراب الهندي الدخيل، فيتميز بريشه الأسود ورقبته الرمادية، ويعود موطنه الأصلي إلى شبه القارة الهندية، حيث يمتد انتشاره من سريلانكا جنوبًا إلى نيبال شمالًا، ومن جنوب إيران غربًا حتى إقليم يونان في الصين شرقًا، قبل أن ينتقل إلى العديد من المدن الساحلية والموانئ حول العالم.
ويمتلك قدرة عالية على التكيف مع البيئات الحضرية وسرعة التكاثر، ويهاجم بعض الطيور المحلية، ويسهم احتكاكه المستمر بمكبات النفايات في نقل الملوثات ومسببات الأمراض، ويؤدي انتشاره الكثيف إلى اختلال التوازن البيئي.
فالفارق بين النوعين لا يقتصر على الشكل أو الأصل الجغرافي، بل يشمل طبيعة السلوك والموطن والتأثير البيئي، والتعامل معهما باعتبارهما نوعًا واحدًا قد يقود إلى ممارسات تضر بالتنوع الحيوي المحلي.
- من الهند إلى عدن
يرى الباحث معين العامر أن الروايات المتداولة حول وصول الغراب الهندي إلى عدن في منتصف القرن التاسع عشر ليست الوحيدة في تفسير وجوده، مستندًا إلى معالم وأسماء تاريخية، منها حصن الغراب في منطقة بير علي بمحافظة شبوة، الذي تُرجع الروايات الشعبية سبب تسميته إلى كثرة الغربان التي كانت تتخذ من قمته موطناً لها، وهي تسمية سبقت الوجود البريطاني.
ويؤكد الباحث في تاريخ عدن، طارق حاتم، أن البيئة الأصلية للغراب الهندي تعود إلى شبه القارة الهندية، وأن دخوله المدينة كان خلال الفترة بين عامي 1830 و1840، عبر السفن البريطانية والبحارة القادمين من الهند.
وقد ساعد موقع عدن كميناء تجاري رئيسي، وارتباطها بخطوط الملاحة البريطانية مع الهند، على انتقاله، ويشير إلى أن التاجر كواسجي دينشو أدينوالا (Cowasjee Dinshaw Adenwalla)، أحد أبرز أفراد الجالية الزرادشتية، شيد عام 1883 معبد النار، وأنشأ “برج الصمت” لإقامة الطقوس الجنائزية، وكانت الجثامين توضع في العراء داخل البرج لتتعرض لأشعة الشمس وتتغذى عليها الطيور الجارحة، ومنها الغربان والصقور، لذلك يرجح أنهم جلبوها.
ولا يقتصر حضوره على عدن، إذ يحتل مكانة رمزية في الثقافة البريطانية من خلال أسطورة “غربان برج لندن” حيث يمثل بقاء ستة غربان داخل البرج رمزًا لاستمرار التاج البريطاني، فيما ينذر رحيلها بسقوط البرج والمملكة. ولا يعني ذلك أن هذه الأسطورة كانت سببًا في نقل الغراب إلى عدن، لكنها تعكس المكانة الرمزية التي احتلها الغراب في الثقافة البريطانية، في وقت كانت فيه عدن جزءًا من شبكة الملاحة البريطانية المرتبطة بالهند.
ومن عدن، انتقل الغراب الهندي لاحقًا إلى مدن يمنية أخرى عبر سفن البضائع، فوصل إلى الحديدة، ثم امتد شرقاً إلى سلطنة عُمان، وشمالاً إلى مدينة جدة ومناطق أخرى مطلة على البحر الأحمر. وتشير دراسة للدكتور أحمد سعيد إلى أنه دخل أرخبيل سقطرى عبر سفينة قادمة من عدن وصلت إلى مدينة حديبو في أبريل 1995.
- من النفايات إلى الصحة العامة
يرى سالم بسيس أن الغراب الهندي تسبب في افتراس بيض وفراخ الطيور المحلية، ما أدى إلى تراجع أعدادها وتهديد استمرارها في بيئاتها الطبيعية، كما ينافسها على الغذاء والموائل، ويهاجم صغار الطيور والدواجن، متسببًا بخسائر للمزارعين.
ويضيف أنه يعتاد نبش أكوام القمامة، الأمر الذي يسهم في تلويث البيئة وزيادة احتمالات نقل بعض مسببات الأمراض، وعند تكاثره بصورة مفرطة يهاجم أشجار الفاكهة، فضلًا عن إحداث الضوضاء والإزعاج في الأحياء السكنية، مؤكداً أن مكافحة انتشاره أصبحت ضرورة بيئية.
وتدعم هذه المخاوف نتائج دراسة بحثية نشرها موقع “حلم أخضر” استنادًا إلى أبحاث علمية بعنوان”دور محتمل للغربان في انتشار أمراض الإسهال في عدن” أشارت إلى أن زيادة أعدادها أسهمت في تلويث البيئة بمخلفاتها المنتشرة في أنحاء المدينة، ما قد يرتبط بانتشار الأمراض المعوية.
وشملت الدراسة فحص 150 غرابًا، وتحليل عينات من الكبد والأمعاء للكشف عن البكتيريا والطفيليات، بما فيها أكياس الجيارديا اللمبلية وبويضات Hymenolepis nana، وأظهرت النتائج وجود طفيليات مطابقة لسلالات سبق عزلها من مرضى الإسهال في عدن.
وتشير دراسة نُشرت في مجلة Avian Pathology إلى أن فحوصاً مخبرية أُجريت على هذا النوع رصدت وجود بكتيريا مثل Escherichia coli وProteus، إضافة إلى بعض الطفيليات، فيما أظهرت دراسة أخرى نُشرت في International Journal of Tropical Disease & Health وجود سلالات من بكتيريا Salmonella في أمعاء الغراب الهندي، بعضها مقاوم للمضادات الحيوية، ما يشير إلى احتمال وجود مخاطر صحية وبيطرية مرتبطة بهذا النوع في بعض البيئات.
كما ربطت بعض الدراسات بين الغربان وإمكانية حمل مسببات مرضية أخرى، من بينها فيروس إنفلونزا الطيور H5N1، إضافة إلى رصد فطريات مثل Candida في عينات مرتبطة بها.
- لماذا فشلت حملات مكافحة الغربان؟
وفق تقرير نشره “حلم أخضر” يشير الباحث مايك جينينغز إلى أنه بحلول عام 1989 كان الغراب الهندي قد انتشر بكثافة في محافظة لحج، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومترًا من ميناء عدن، وتوسع على امتداد الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، من باب المندب حتى خليج العقبة، وصولًا إلى خليج عُمان والخليج العربي.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي حتى عام 2009، نفذت الهيئة العامة لحماية البيئة حملات متكررة اعتمدت أساسًا على استخدام الطعوم المسمومة داخل تجمعات الغربان، وتمكنت من القضاء على نحو 35 ألف غراب، غير أنها لم تحقق انخفاضًا مستدامًا في أعدادها.
وبحسب دراسة للباحث كولين ريال، قدرت أعداد الغربان الهندية في اليمن مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بنحو 350 ألف زوج، وفي عام 2007 قدرت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد أعدادها بنحو مليوني غراب، محذرة من أنها أصبحت تشكل تهديدًا للتنوع الحيوي.
في المقابل، تقدم تجربة أرخبيل سقطرى نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الغراب الهندي، فبحسب الباحث أحمد سعيد، تعاون برنامج سقطرى للحفاظ والتنمية البيئية مع هيئة حماية البيئة ومنظمة بيردلايف الدولية لتنفيذ برنامج علمي اعتمد على الرصد الدوري وإحصاء أعداد الغربان، وفي عام 1999 بدأ البرنامج وتم القضاء على هذا النوع الغازي من الأرخبيل.
“يمن مونيترز”