

روكب اليوم
مراسلو الجزيرة
تعز- بين أروقة العلاج المتهالكة وسواتر القتال الملتهبة، لا تفصلك سوى أمتار قليلة، ينقطع عندها صوت الأجهزة الطبية ليغلب عليه دوي القصف المدفعي في تعز جنوب غربي اليمن.
هنا في القطاع الشرقي لمدينة تعز، تقف هيئة مستشفى الثورة العام -أكبر الصروح الطبية الحكومية في المحافظة التي يقطنها أكثر من 4 ملايين نسمة- شاهدا على تماس مباشر مع خطوط النار، حيث يعيش الأهالي الحرب مرتين؛ الأولى على جبهات المواجهة تحت قسوة القصف والحصار، والثانية داخل أروقة المستشفيات التي تصارع للبقاء.
في جولة ميدانية للجزيرة نت، بدت الملامح الأولى للمأساة من البوابة الخارجية؛ حركة متواصلة لمرضى يتوافدون على أمل الحصول على جرعة أكسجين أو إسعاف أولي، وآخرون يُحملون على الأكتاف نحو أقسام الطوارئ والعناية المركزة، مرورا بمركز الغسيل الكلوي وقسم أمراض الكلى اللذين يكتظان بمرضاهما رغم التهديد الأمني المستمر وتواتر القذائف العشوائية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listفي الطابق الثاني، ونحو البوابة الخلفية المحاذية لمناطق التماس، يمتد الشاب عمر خالد (30 عاما) متكئا على حائط أسمنتي صغير، ممسكا بيديه على أسفل بطنه في محاولة لمغالبة ألم حاد يتملك جسده. يتحدث عمر للجزيرة نت ونبرات الأنين تختنق في حلقه “أعاني من حصوات في الكلى، وقد نزلت إحداها مؤخرا إلى الحالب. ألم المرض يفتك بي ليلا ونهارا، ولا أملك تكاليف العلاج أو التفتيت بالليزر، ناهيك عن إجراء عملية جراحية”.
يعمل عمر في الشارع ذاته بالقرب من مبنى الأحوال المدنية على طابعة صغيرة لإعداد وتنسيق الوثائق والمعاملات، ويضيف بمرارة تلخص الشريحة الأوسع من سكان هذه المدينة “أنا مواطن بسيط، لا عسكري ولا تاجر، حيلتي هذه الطابعة الصغرى أسترزق منها. حتى تكاليف الفحوصات وأجرة المواصلات التي بلغت 11 ألفا و500 ريال يمني بالعملة الجديدة، اضطررت للاستدانة لتوفيرها كي أصل إلى هنا”.
قصة عمر هذه ليست سوى نموذج لآلاف المرضى الذين يواجهون الانهيار الاقتصادي وتدهور القوة الشرائية للعملة المحلية، مما جعل الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية بحد ذاته عبئا ماليا يفوق قدرة المواطن العادي.
مشكلة كبرى
بخصوص هذا الانهيار الصحي والاقتصادي، يوضح خلدون عبد الباقي نعمان -وهو أحد القياديين الإداريين في مكتب الصحة العامة والسكان بتعز- في حديثه للجزيرة نت “نواجه مشكلة كبرى في استقبال مختلف الحالات، كون مستشفى الثورة هو المرفق المرجعي الرئيسي في المحافظة، حيث يقصده المرضى مباشرة أو يُحالون إلينا من المستشفيات الأخرى، ولا سيما الريفية منها. ونتيجة التردي الاقتصادي، وانهيار سعر العملة، وتأخر أو عدم انتظام صرف المرتبات، أصبحت تكاليف العلاج فوق طاقة المواطن”.
ويستطرد خلدون مبيّنا “الفارق الكارثي” في القدرة المالية للمواطنين مقارنة بأسعار الخدمات الطبية “قبل الحرب، كانت تكلفة عملية استئصال الزائدة الطارئة تصل إلى 40 ألف ريال يمني (نحو 200 دولار حينها)، وكان المواطن يدفعها بشكل طبيعي.
ويضيف “أما اليوم، فتتراوح تكلفة العملية ذاتها بين 100 و150 ألف ريال بالعملة المعتمدة حاليا (نحو 90 دولارا)، ورغم انخفاض قيمتها بالدولار، فإن المواطن يعجز تماما عن توفيرها في ظل الحالات الإسعافية المفاجئة، وقس على ذلك بقية العمليات المبرمجة والإسعافية”.
ويؤكد خلدون -في تصريحه للجزيرة نت- مسلطا الضوء على أزمة الوصول وتفاقم الأمراض والأزمات البيئية “يتوافد المرضى والنازحون من مناطق بعيدة نائية متحملين تكاليف سفر باهظة للحصول على الخدمة في مستشفى الثورة، وذلك بعد إغلاق العديد من المراكز الطبية الريفية أو خروجها عن الخدمة بسبب نزوح الكوادر الطبية”.
ويضيف “ارتفعت أسعار الأدوية بنسبة تصل إلى 500%، وتسبب ضعف برامج التحصين المنتظمة ببعض المناطق وإغلاق المراكز في عودة ظهور أمراض كان يمكن الوقاية منها مثل شلل الأطفال. أضف إلى ذلك ارتفاع معدلات أمراض الضغط والسكري وسوء التغذية التي تتطلب علاجات دائمة مكلفة، وصولا إلى مضاعفات القدم السكري التي تنتهي بالبتر وتحويل منتجين في سن الخمسين إلى معاقين عاجزين عن الإنتاج وإعالة أسرهم. ناهيك عن تنامي تهريب السموم والمواد الزراعية دون رقابة في ظل ضعف أجهزة الدولة، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بالسرطانات والأورام”.
مآس يومية
ولم تقتصر الآثار على الكوارث الصحية والاقتصادية؛ إذ امتدت لتسجيل مشاهد إنسانية مأساوية داخل المستشفى منذ بداية المواجهات. ويستذكر خلدون نعمان للجزيرة نت أبرز تلك الحالات قائلا “استقبلنا مآسي يعجز اللسان عن وصفها؛ منها أم وابنتها أصيبتا بلغم أرضي، لتتوفى الأم أولا وتلحق بها ابنتها في اليوم التالي. كما استقبلنا ضحايا قذيفة سقطت قرب مبنى المحافظة القديم بمنطقة الحوض أدت إلى وفاة أم وإصابة طفلتيها”.
ويتابع “وفي حادثة أخرى، أدت قذيفة سقطت قرب ملعب الشهداء إلى وصول نحو 11 جريحا من قرى مختلفة، كان من بينهم امرأة حامل في شهورها الأخيرة؛ أُجريت لها عملية قيصرية طارئة لإنقاذ الطفل ثم خضعت لعمليات أخرى وظلت في العناية المركزة ليومين قبل أن تفارق الحياة، ليعيش ابنها يتيما. ولا أنسى حالة شخص يُدعى مصطفى، سقطت قذيفة قرب أطفاله أثناء لعبهم في منطقة الكمب، ليفقد ثلاثة من أبنائه في لحظة واحدة في مشهد يفوق قدرة الاحتمال”، كما يقول.
ولا يتوقف شريط الأحداث عند معاناة المرضى المدنيين، فالمستشفى يُعد الوجهة الأولى والمباشرة لضحايا الاشتباكات العسكرية والقصف الذي يصيب الأحياء السكنية والجبهات القريبة في الكدحة ومقبنة والشمايتين وغيرها.
ويأتي هذا في ظل تصعيد عسكري متزايد تشهده أرياف تعز وجبهاتها، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والقذائف المدفعية القادمة من مواقع سيطرة الحوثيين وسيلة القصف الأكثر حشدا للضحايا بين العسكريين والمدنيين، مما يضاعف الضغط اليومي على غرف العمليات والعناية المركزة في مستشفى الثورة.
ومع أذان ظهر اليوم، هز المنطقة صوت انفجار عنيف ناجم عن قصف بالمدفعية والدبابات من الجبهة الشرقية المحاذية للمستشفى.
في البوابة، كانت سلمى (55 عاما) تجلس على رصيف أسمنتي برفقة أطفالها دون أن تبدي فزعا، وقالت للجزيرة نت “هذا صوت الدبابة. القصف هنا قريب جدا، وقد اعتاد الجميع على هذه الأصوات اليومية. الحرب أصبحت جزءا من أنفاسنا”.
يغادر الزائر مستشفى الثورة العام بتعز وصوت المدافع يتردد في الأفق، ليظل هذا الصرح الطبي يصارع بين شح الإمكانات الطبية وتدفق الضحايا، متحملا عبء مأساة إنسانية مريرة، تتجدد تفاصيلها كل يوم.