مياه أقل وأخرى ملوثة.. ماذا يحدث لمسطحات لبنان المائية؟


روكب اليوم
2026-09-19 04:28:00

1 1808823

ولا تقتصر المشكلة على تراجع كميات المياه في سنوات الشح، إذ يحذر خبراء من أن التلوث يحد أيضا من حجم الموارد القابلة للاستخدام، بما يفاقم الضغوط على مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي.

وتبرز بحيرة القرعون، أكبر بحيرة اصطناعية في لبنان، نموذجا واضحا لهذه الأزمة، في ظل تراجع مخزونها خلال فترات الجفاف واستمرار مشكلات التلوث في حوض نهر الليطاني.

مياه أقل في سنوات الجفاف

تكشف بيانات عن الميزان المائي العام للبنان، حصل عليها موقع “سكاي نيوز عربية” من مصادر معنية، حجم حساسية الموارد المائية لتقلبات الهطول.

ووفق البيانات، ففي سيناريو جفاف قد يتكرر مرة كل 10 سنوات، يمكن أن تنخفض أحجام المياه إلى نحو 60 بالمئة من مستوياتها في السنوات ذات الرطوبة المتوسطة.

ويبلغ متوسط حجم الهطولات السنوية نحو 5.411 مليارات متر مكعب، مقابل نحو 2.216 مليار متر مكعب من الجريان السطحي السنوي.

ويُقدر الجريان السطحي المباشر بنحو 924 مليون متر مكعب، وغير المباشر بنحو 1.292 مليار متر مكعب، بينما يبلغ متوسط التسرب إلى المياه الجوفية نحو 391 مليون متر مكعب.

وتعكس هذه الأرقام حساسية الميزان المائي في لبنان أمام سنوات الجفاف والتغير في كمية الهطولات وتوزيعها خلال العام.

القرعون.. أزمة كمية ونوعية

ويقول الخبير في الشؤون البيئية والمائية جلال حلواني، لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن التهديدات التي تواجه المسطحات المائية في لبنان تتجاوز الجفاف، وتشمل “التلوث وسوء الإدارة والاستنزاف وتراجع البنية التحتية المائية”، إضافة إلى المخاطر التي قد تتعرض لها المنشآت المائية جراء العمليات العسكرية.

ويشير حلواني إلى أن بحيرة القرعون تمثل أحد أبرز الأمثلة على تداخل هذه العوامل، إذ تواجه ضغوطا مرتبطة بكمية المياه ونوعيتها في الوقت نفسه.

ويوضح أنه إلى جانب تراجع المخزون خلال فترات الشح، تعاني البحيرة منذ سنوات من التلوث الناتج عن الصرف الصحي والصناعي والنفايات وبعض الممارسات الزراعية، وهو ما ينعكس على النظام البيئي والتنوع الحيوي.

ويضيف أن مشكلة القرعون لا يمكن فصلها عن وضع نهر الليطاني وحوضه، إذ تصل الملوثات إلى البحيرة عبر الروافد ومجاري الصرف من مناطق مختلفة، بالتزامن مع مشكلات في تشغيل بعض محطات المعالجة وعدم استكمال عدد من شبكات الصرف الصحي.

91 مليون متر مكعب

من جهته، يقول المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية إن تقييم أزمة المياه لا ينبغي أن يستند فقط إلى حجم الموارد المتاحة، وإنما إلى كمية المياه التي يمكن استخدامها فعليا.

ويضيف علوية، لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “حجم المياه المتاحة لا يعني بالضرورة حجم المياه القابلة للاستعمال، لأن التلوث وسوء الإدارة يخرجان جزءا من الموارد عن الخدمة أو يتطلبان استثمارات باهظة لمعالجتها”.

وبحسب علوية، بلغ مخزون بحيرة القرعون نحو 91 مليون متر مكعب في نهاية أغسطس 2026، أي نحو 41.3 بالمئة من سعتها التصميمية البالغة 220 مليون متر مكعب.

وتظهر بيانات المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تذبذبا كبيرا في مستوى المخزون خلال السنوات الأخيرة.

ففي 18 أغسطس 2024، بلغ المخزون نحو 136.7 مليون متر مكعب، بما يعادل 62.1 بالمئة من السعة التصميمية.

وفي 18 أغسطس 2025، تراجع إلى 54.3 مليون متر مكعب، أو نحو 24.7 بالمئة من السعة، قبل أن ينخفض إلى 41.8 مليون متر مكعب في 2 يناير 2026، أي نحو 19 بالمئة.

وبحلول نهاية أغسطس 2026، ارتفع المخزون مجددا إلى نحو 91 مليون متر مكعب، بما يعادل 41.3 بالمئة من السعة التصميمية.

ويقول علوية إن هذه البيانات لا تشير إلى انخفاض ثابت ومتواصل في المخزون من عام إلى آخر، وإنما إلى تزايد حدة التذبذب بين فترات الوفرة والشح.

ويعزو ذلك إلى مجموعة من العوامل المناخية والهيدرولوجية، من بينها تراجع تراكم الثلوج وقصر مدة بقائها، وتغير التوزيع الزمني للأمطار، وارتفاع معدلات التبخر، إلى جانب زيادة الطلب على المياه للشرب والري والصناعة وإنتاج الطاقة.

الخطر يتجاوز القرعون

ولا تقتصر الضغوط، بحسب حلواني، على بحيرة القرعون، إذ تمتد إلى أراض رطبة ومسطحات مائية أصغر لا تحظى بالمستوى نفسه من الاهتمام والرصد.

ويشير بصورة خاصة إلى مستنقع عميق في البقاع الغربي، ومناطق رطبة في عنجر، إضافة إلى بحيرات ومواقع مائية صغيرة أخرى.

ويوضح أن هذه المناطق تتأثر بتراجع المياه الجوفية والسحب العشوائي للمياه وارتفاع درجات الحرارة والتوسع الزراعي، وهو ما ينعكس على الطيور والتنوع البيولوجي.

ويرى حلواني أن تداعيات تدهور هذه الأنظمة لا تظل محصورة في الجانب البيئي، بل تمتد إلى الري والصحة العامة والإنتاج الزراعي، بما يجعلها مرتبطة مباشرة بالأمنين المائي والغذائي.

ويلفت إلى أن لبنان يفتقر إلى نظام وطني موحد للرصد المستمر والشامل للمسطحات المائية، الأمر الذي يصعّب قياس التغيرات وتقييم مستويات التدهور بصورة دورية.

أزمة حوض لا بحيرة

وتشير المعطيات التي يعرضها الخبراء إلى أن أزمة المسطحات المائية في لبنان لا ترتبط ببحيرة أو منطقة واحدة، بل بإدارة الأحواض المائية بكاملها. 

ففي سنوات الجفاف تتراجع الموارد المتاحة، بينما يؤدي التلوث في الوقت نفسه إلى تقليص كمية المياه الصالحة للاستخدام، بما يزيد الضغوط على مخزون يعاني أساسا من تقلبات مناخية متزايدة.

ويقول علوية إن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تعمل على معالجة مصادر التلوث، من الصرف الصحي والصناعي إلى النفايات الصلبة والتعديات على مجرى النهر، بالتوازي مع الرصد الميداني والمخبري واتخاذ الإجراءات القانونية.

ويضيف أن الإجراءات تشمل كذلك ضبط مناسيب المياه وترشيد التصريف خلال فترات الجفاف بهدف المحافظة على المخزون المتبقي.

وبحسب الخبراء، يتطلب الحد من تدهور المسطحات المائية معالجة مصادر التلوث، وحماية المياه الجوفية، وترشيد الاستهلاك، وتحسين إدارة الأحواض، إلى جانب تطوير منظومة للرصد والإنذار المبكر تسمح بمتابعة التغيرات في الموارد المائية قبل وصولها إلى مستويات يصعب تداركها.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks