روكب اليوم
2026-10-18 21:53:00
ميناء الوديعة.. الكفاءة فوق الجغرافيا والمناصب لخدمة الوطن لا المناطق
<span class="story_date">الاحد 18 اكتوبر 2026 - الساعة:15:53:12</span>
<span class="story_source">(/خاص:)</span>
</p><div>
<p>في الوقت الذي تحتاج فيه مؤسسات الدولة اليمنية إلى ترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، أثار تكليف الأستاذ سند ذيبان، نائب رئيس هيئة تنظيم شؤون النقل البري، بالقيام بأعمال مدير عام ميناء الوديعة البري، جدلاً بشأن معايير اختيار القيادات الإدارية في المؤسسات الوطنية، وحدود الاعتبارات الجغرافية في تولي المسؤوليات العامة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشأة سيادية وحيوية تخدم ملايين المسافرين والمغتربين.
وبينما برزت اعتراضات على القرار من جانب نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي – محافظ حضرموت، الأستاذ سالم الخنبشي، وبعض أبناء المحافظة، اتجهت أصوات صحفية وحقوقية ومدنية إلى الدفاع عن مبدأ تقديم الكفاءة والخبرة على الانتماء الجغرافي، معتبرة أن المؤسسات الوطنية ليست ملكاً لمحافظة دون غيرها، وأن معيار تولي المسؤولية ينبغي أن يستند إلى الكفاءة المهنية والاستحقاق القانوني والقدرة على تحسين الأداء.
ولا يتعلق النقاش هنا بشخص المسؤول أو المحافظة التي ينتمي إليها بقدر ما يتعلق بمفهوم الدولة ومؤسساتها، وما إذا كانت المناصب العامة ستدار وفق معايير مهنية ومؤسسية، أم ستظل عرضة للتجاذبات المناطقية التي قد تحول المواقع الإدارية إلى ساحات للتنافس على النفوذ.
منفذ سيادي لا ملكية مناطقية
يمثل ميناء الوديعة البري، الواقع في نطاق محافظة حضرموت على الحدود اليمنية السعودية، أحد أهم المنافذ البرية في البلاد، نظراً لدوره المحوري في حركة المسافرين والمغتربين والتبادل التجاري، فضلاً عن أهميته الاقتصادية والأمنية والإيرادية.
وتفرض هذه الأهمية أن تتولى إدارته شخصية تمتلك الخبرة الإدارية والقدرة على تنظيم العمل وتسهيل الإجراءات، والتعامل مع احتياجات المسافرين، وتعزيز الانضباط والشفافية، بعيداً عن أي اعتبارات لا ترتبط بطبيعة المسؤولية ومتطلباتها.
ومن هذا المنطلق، فإن وجود مسؤول من محافظة شبوة على رأس إدارة المنفذ لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تجاوزاً لحضرموت أو انتقاصاً من حق أبنائها، ما دام الاختيار قائماً على الكفاءة ومستوفياً للإجراءات القانونية. فالمؤسسات الوطنية، بحكم طبيعتها، تتسع للكفاءات من مختلف المحافظات، ولا يمكن بناء دولة فاعلة إذا أصبح الانتماء الجغرافي شرطاً غير معلن لتولي المناصب العامة.
شهادات ميدانية تعزز معيار الكفاءة
وفي سياق الجدل الدائر حول تكليف الأستاذ سند ذيبان، قدم عدد من الصحفيين والكتاب والناشطين شهادات بشأن تجربتهم معه، مستندين إلى معرفتهم الشخصية بمواقفه وتعاملاته، ومؤكدين أن تقييم المسؤول ينبغي أن يستند إلى أدائه وما يقدمه للناس، لا إلى المحافظة التي ينتمي إليها.
الكاتب الصحفي عمر الحار، في رسالة وجهها إلى محافظ حضرموت الأستاذ سالم الخنبشي، دعا إلى التعامل مع القضية من منظور الدولة ومقتضيات المسؤولية الوطنية، مؤكداً أن المناصب لا تصنع قيمة الرجال، بل إن الرجال هم الذين يمنحون المناصب قيمتها بما يمتلكونه من أخلاق وكفاءة وخبرة.
وشدد الحار على أن الأصل في القرارات الإدارية النافذة هو احترامها والتعامل معها من منطلق مؤسسي وقانوني، ما لم تثبت مخالفة تستوجب المراجعة عبر القنوات المختصة، محذراً من إخضاع التعيينات لحسابات جغرافية ضيقة.
وأشار إلى أن الأستاذ سند ذيبان، بوصفه أحد أبناء شبوة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره ممثلاً لمحافظته فحسب، بل باعتباره كادراً وطنياً يستطيع خدمة حضرموت والوطن، إذا أثبتت كفاءته واستوفى متطلبات المنصب.
وأضاف أن العلاقات بين شبوة وحضرموت أعمق من أن تختزلها خلافات حول منصب إداري، داعياً إلى تقديم الشراكة والمصالح المشتركة واحترام القانون على الاعتبارات المناطقية.
ميناء الوديعة شريان وطن
من جانبه، تناول الصحفي زُبَيّن عطية القضية تحت عنوان «مرة أخرى.. منفذ الوديعة شريان وطن وليس مزرعة مناطقية»، منتقداً ما اعتبره إخضاعاً للمواقع الإدارية الحيوية لحسابات جغرافية ضيقة، ومؤكداً أن المنفذ يمثل شرياناً وطنياً ينبغي أن تُدار شؤونه وفق مقتضيات المصلحة العامة.
ورأى عطية أن الجدل حول إدارة المنفذ يتجاوز مسألة شغل منصب إداري، ليطرح سؤالاً جوهرياً بشأن طبيعة الدولة المنشودة: هل تقوم مؤسساتها على الكفاءة وتكافؤ الفرص، أم على توزيع المواقع وفق الانتماءات المناطقية؟
كما ربط القضية بمستقبل العلاقات بين المحافظات الشرقية، معتبراً أن بناء الشراكة والتكامل بين حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى يتطلب تجاوز الحسابات الضيقة، وعدم التعامل مع المؤسسات باعتبارها امتيازات محلية مغلقة.
وتعكس هذه المواقف، وفق أصحابها، مخاوف من أن يؤدي توظيف الانتماء الجغرافي في الخلافات الإدارية إلى إضعاف الثقة بين المحافظات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز التفاهم والتنسيق بين مختلف مكوناتها.
شهادات من داخل حضرموت
وفي شهادة لافتة، أكد الناشط المدني محمد حسن بالحمان أن الأستاذ سند ذيبان من الكوادر التي قدمت خدمات ومواقف تستحق التقدير في حضرموت، مشيراً إلى أنه لمس، من خلال التواصل معه، تجاوباً مع احتياجات المواطنين ومبادرة إلى المساعدة حتى في الحالات التي لا يكون فيها مديراً رسمياً للمنفذ.
وقال بالحمان إن ذيبان يمثل نموذجاً لكوادر شبوة التي يعتز بها أبناء المحافظة، مضيفاً أن: «شبوة من حضرموت وحضرموت من شبوة، والروابط بينهما أكبر من حدود الجغرافيا».
واعتبر أن الانتماء الحقيقي يتجلى في المواقف والعطاء وخدمة الناس، لا في حدود المحافظة التي ينتمي إليها المسؤول، مؤكداً أن تجربته مع ذيبان تجعله من الأسماء التي يؤيد توليها إدارة المنفذ، استناداً إلى ما لمسه من مواقف شخصية.
وفي الاتجاه ذاته، كتب الناشط مجاهد الحيقي مقالاً بعنوان «منفذ الوديعة ليس ساحة لتصفية الحسابات»، أكد فيه أن الجدل بشأن القرار الإداري لا ينبغي أن يحجب شهادات الإنصاف المتعلقة بالأشخاص ومواقفهم.
وقال الحيقي، مستنداً إلى معرفته الشخصية بذيبان، إنه من الشخصيات التي قدمت لحضرموت خدمات ومواقف تستحق التقدير، مشيراً إلى استجابته لاحتياجات المواطنين العالقين والمسافرين، ومبادرته إلى تقديم المساعدة رغم عدم توليه الإدارة الرسمية للمنفذ في الوقت الراهن.
وأضاف أن «المناصب تتغير، والقرارات تصدر وتُلغى، لكن المواقف الأصيلة تبقى شاهدة على معادن أصحابها»، في إشارة إلى ضرورة الفصل بين الخلافات الإدارية وتقييم الأشخاص بناءً على تجارب التعامل معهم.
الدولة أكبر من حدود الجغرافيا
إن جوهر القضية لا يكمن في المفاضلة بين أبناء حضرموت وشبوة، ولا في منح محافظة حقاً على حساب أخرى، بل في ترسيخ قاعدة وطنية مفادها أن الوظيفة العامة مسؤولية وليست استحقاقاً مناطقياً، وأن حق المواطنين في إدارة كفؤة لا ينبغي أن يتأثر بهوية المسؤول الجغرافية.
فإذا كان لدى أي طرف اعتراض قانوني أو إداري على تكليف الأستاذ سند ذيبان، فإن الطريق الصحيح لمعالجته يتمثل في الاحتكام إلى القوانين واللوائح وتحديد الاختصاصات، لا في تحويل الخلاف إلى قضية انتماء مناطقي. وفي المقابل، فإن الدفاع عن الكفاءة لا يعفي أي مسؤول من المساءلة، ولا يمنحه حصانة من التقييم والمحاسبة.