روكب اليوم
2026-05-22 16:55:00

لكن في حلقة «كلام بزنس» مع هشام عز العرب، بدا أن القصة أعمق من ميزانية بنك أو مسار عملة.
القصة كانت عن رجل يرى أن المؤسسة القوية تبدأ من القِيَم، وأن المدير الحقيقي يُقاس بقدرته على بناء من يخلفه وعلى القدرة على الاعتراف بأخطائه.
عز العرب قاد البنك التجاري الدولي في رحلة تحوّل جعلت منه نموذجاً في القطاع الخاص والحوكمة وإدارة المخاطر، مع خبرة تمتد لأكثر من 40 عاماً بين بنوك عالمية وتجربة مصرية محلية.
منذ البداية، حاول عز العرب تبسيط عالم البنوك؛ حين سُئل عن صعوبة جعل القطاع المصرفي «سهلاً وممتعاً»، أجاب ببساطة: «لا توجد وظيفة معقدة».
يحكي عز العرب عن نشأة عادية في بيت له خلفية سياسية، وعن أب خرج من الخدمة في سياق سياسي معقد، وجدٍ شارك في إحدى ثورات مصر التاريخية عام 1919.
دخول القطاع المصرفي في شبابه
كانت الفكرة عند والده واضحة: لا صيف بلا عمل، ومن هذه التجارب، تعلم الاحتكاك بالناس، وفهم أن العمل ليس فقط دخلاً، بل تدريباً مبكراً على الحياة.
دخل عز العرب القطاع المصرفي في البنك العربي الإفريقي الدولي، بعدما دفعه والده إلى تجربة العمل في بنك.
لم يكن مقتنعاً في البداية، فاحتفظ بعمله الليلي في الفندق خلال الشهر الأول، قبل أن يكتشف أن المصرف يمكن أن يكون مساراً مهنياً حقيقياً.
كان راتبه الأول، كما يروي، 85 دولاراً في وقت كان الدولار يساوي نحو 70 قرشاً.
بعد ذلك، بدأ فصل التعلم الدولي؛ نيويورك، البحرين، لندن، ميريل لينش، ثم جيه بي مورغان.
لم يكن قراره بالانتقال دائماً مالياً، في البحرين، كانت المزايا أفضل والضرائب أقل، لكنه اختار لندن لأنه أراد التعلم.. يقولها بوضوح: «المعرفة قوة».
وفي جيه بي مورغان، تعلّم عز العرب واحداً من أقسى دروس الإدارة: لا تترقَ إذا لم تكن قابلاً للاستبدال.
يحكي أن رئيسه سأله في إجازة عن الشخص الذي يحل مكانه، قبل أن يقول له إن من لا يصنع بديلاً له لا يستحق الترقية.
واليوم يؤمن عز العرب بهذا الدرس وأن المدير الذي يخاف من تكبير فريقه مدير ضعيف، لأن قوة المدير لا تظهر في احتكار المعرفة، بل في بناء منظومة تعمل حتى في غيابه.
عندما عاد إلى مصر وانضم إلى CIB، لم يتعامل مع البنك كمكان يحتاج إلى اختراع جديد، بل كمؤسسة تملك «قماشة عظيمة» تحتاج إلى ترتيب عناصرها.
كان أول قرار رمزي وعملي في الوقت نفسه: كمبيوتر وبريد إلكتروني لكل موظف.
في ذلك الوقت، كانت التعليمات تُطبع وتُصور وتُرسل بالفاكس.
بالنسبة إليه، لا يمكن بناء مؤسسة حديثة بأدوات قديمة.
لكن التحول لم يكن تكنولوجياً فقط، كان تحولاً في طريقة الإدارة، عز العرب لا يبحث عن الحب داخل المؤسسة بقدر ما يبحث عن الاحترام.
يكرر أن العاطفة مكانها الحالات الإنسانية، لا قرارات المخاطر ولا إدارة الأموال، فالمصرفي، كما يقول، مؤتمن على أموال الناس، ولا يحق له المجاملة فيها.
لماذا استقال من CIB في 2020؟
في واحدة من أكثر لحظات الحوار حساسية، تحدث عن خروجه من CIB في عام 2020 عقب أزمة مع البنك المركزي.
وصف القرار بأنه «صعب وسهل» في الوقت نفسه: صعب لأنه يتعلق بمؤسسة بناها لسنوات، وسهل لأنه لم يكن يريد التمسك بمنصب إذا كان ذلك سيؤذي المؤسسة.
دخل إلى مجلس الإدارة، بحسب روايته، وطلب منهم اختيار رئيس جديد، ثم قدم استقالته.
في رأيه، محافظ البنك المركزي لا يحتاج فقط إلى فهم فني، بل إلى «كياسة سياسية» وقدرة على إدارة العلاقات واللغة والرسائل.
قال بصراحة إنه «ورشجي» أكثر منه سياسياً، وإن الصراحة الزائدة قد تخلق مشكلات في المواقع التي تتطلب حسابات أوسع.
ينتقل الحوار بعد ذلك إلى الاقتصاد المصري، يرى عز العرب أن التضخم وسعر الصرف لا يمكن فصلهما عن عجز الموازنة والمعروض النقدي. ويشير إلى أن الرقم النهائي للدولار ليس بالضرورة السؤال الأهم، بل الأهم أن يستطيع البنك والاقتصاد فتح الاعتمادات وتسوية المدفوعات والعمل في سوق واضحة.
في رأيه، تثبيت العملة ليس وصفة عامة، لأن الدول التي تربط عملاتها بالدولار تجعل سياستها النقدية رهينة إلى حد كبير للسياسة النقدية الأميركية.
وعن الدين، يدعو إلى قرارات حازمة تربط الاقتراض الخارجي بالقدرة على توليد إيرادات بالعملة الأجنبية، لا بالناتج المحلي فقط.
الاقتصاد المصري وتخطي الأزمات
قال هشام عز العرب إن أخطر ما واجه الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية لم يكن فقط حجم الأزمات العالمية أو الضغوط الخارجية، وإنما طريقة التعامل مع بعض الملفات النقدية والمالية، موضحاً أن تجربته الطويلة في الأسواق الناشئة جعلته يرى مبكراً أن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي عام 2016 كان يحمل مخاطر كبيرة إذا لم يصاحبه إصلاح هيكلي أعمق وأكثر استدامة.
وخلال ظهوره في برنامج “كلام بزنس”، كشف عز العرب أنه وقت الاتفاق بدأ يطرح على نفسه “مجموعة أسئلة” حول قدرة الاقتصاد على تحمل تبعات القرار، مضيفاً: “لما جمعتها وحللتها… لأ ده كده مرجحة”، في إشارة إلى حالة عدم الاستقرار التي توقع أن تنتج عن التعويم والاعتماد الكبير على التدفقات قصيرة الأجل.
وأوضح أن الأزمة بالنسبة له لم تكن في اللجوء إلى صندوق النقد، وإنما في طريقة إدارة الملف بعد الاتفاق، قائلاً: “الدكتور بتروح له عشان يعالجك ولما تخف تروح… إحنا مش عاوزين نخف”، في انتقاد ضمني لاستمرار الاعتماد على الاقتراض والبرامج التمويلية دون الوصول إلى نقطة تعافٍ حقيقية تسمح للاقتصاد بالتحرك بشكل مستقل.
وأضاف أن “البداية في الأصل ما كانتش صح 2016”، مشيراً إلى أن الاقتصاد دخل في دائرة من الضغوط المتراكمة التي ظهرت لاحقاً بوضوح أكبر مع ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وخروج جزء كبير من الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة.
الـ”Hot Money” لم يعد لعبة مضمونة
وتحدث عز العرب مطولاً عن ظاهرة الأموال الساخنة وتأثيرها على الاقتصاد المصري، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الأزمة النقدية التي مرت بها البلاد كان مرتبطاً بالاعتماد الزائد على هذه التدفقات، موضحاً أن المستثمر الأجنبي في فترات سابقة “كان يخش ياخد 20 و25% وتضمنله الدولار على 19 في الدخلة والخرجة”، مضيفاً: “مافيش أحلى من كده”.
وأشار إلى أن تثبيت سعر الصرف لفترات طويلة كان يمنح المستثمر الأجنبي أرباحاً شبه مضمونة على حساب الاقتصاد المحلي.
ورغم خروج نحو 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة مؤخراً، شدد عز العرب على أن طريقة إدارة الملف تغيرت مقارنة بالماضي، قائلاً إن خروج هذه الأموال “ما أثرش على الاحتياطي” كما كان يحدث سابقاً، معتبراً أن البنك المركزي أصبح أكثر قدرة على التعامل مع تحركات رؤوس الأموال الأجنبية، وأن السوق بات أكثر مرونة في امتصاص الصدمات.
وأضاف أن هذه الأموال تظل مفيدة للحكومة باعتبارها إحدى وسائل تمويل الدين المحلي، لكنها لا يجب أن تتحول إلى ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد أو العملة.
سعر الصرف ليس “كرامة دولة”
وأكد أن المشكلة الأساسية ليست في وصول الدولار إلى مستوى معين، وإنما في غياب العملة الأجنبية عن السوق لفترات طويلة، موضحاً أن التاجر أو المصنع “ما يفرقش معاه السعر قد ما يفرق معاه الـavailability”، أي القدرة على توفير الدولار وفتح الاعتمادات واستيراد الخامات بشكل طبيعي. وأضاف أن السوق المصري عاش لفترة طويلة حالة من “التروما” تجاه سعر الدولار، بينما كانت بعض السلع تُسعّر بالفعل على أساس سعر موازٍ وصل في فترات سابقة إلى 90 جنيهاً للدولار.
كما اعتبر أن البنك المركزي “بيعمل الصح” حالياً في ما يتعلق بإدارة السياسة النقدية والسيطرة على المعروض النقدي، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن تكلفة الإصلاح يتحملها المواطن بشكل مباشر عبر ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة، مشيراً إلى أن “المعروض النقدي بيوضع صح بقاله 3 سنين… لكن مش كفاية يصلح اللي فات”.
الديون.. والسقف الذي يجب ألّا تتجاوزه الدولة
وحذّر عز العرب من استمرار توسع الدولة في الاقتراض دون وضع حدود صارمة، داعياً إلى تحديد سقف واضح للدين المحلي والخارجي، قائلاً: “لازم يتحط debt ceiling”، ومعتبراً أن ربط الدين الخارجي بالناتج المحلي فقط ليس معياراً كافياً، بل يجب ربطه بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات بالعملة الأجنبية.
وأشاد في هذا السياق بتصريحات سابقة لرئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي حول ضرورة النظر للدين الخارجي من زاوية القدرة على السداد بالدولار وليس فقط كنسبة من الناتج المحلي.
وأشار إلى أن مصر تمتلك فرصاً كبيرة للنمو وصفها بـ”low hanging fruits”، أي الفرص السهلة نسبياً التي يمكن استغلالها بسرعة لتحسين الإيرادات والنمو، لكنه شدد على أن نجاح ذلك يتطلب “قرارات حاسمة” وإعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق والاستثمار.
وأضاف أن الأزمة ليست مستحيلة الحل، لكنها تحتاج إلى انضباط مالي ونقدي طويل المدى وليس مجرد حلول مؤقتة.
البنوك المصرية.. “الدرع” وقت الأزمات
وفي حديثه عن القطاع المصرفي، أكد عز العرب أن قوة البنوك المصرية كانت أحد أهم عوامل حماية الاقتصاد خلال الأزمات المتتالية التي مرت بها البلاد منذ 2008 وحتى اليوم، مشيراً إلى أن البنك التجاري الدولي واجه أزمات 2008 و2011 و2013 و2016 وغيرها “وكل مرة كنا نطلع أقوى”. وأرجع ذلك إلى التركيز على إدارة المخاطر وبناء فرق قادرة على التعامل مع الأزمات.
وشدد على أن العلاقة بين البنوك والبنك المركزي يجب أن تقوم على التعاون الكامل، واصفاً البنك المركزي بأنه “أبو البنوك”، لأن مهمته الأساسية هي الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي واستقراره.. وأضاف أن نجاح أي بنك لا ينفصل عن قوة البنك المركزي والسياسات الرقابية والتنظيمية التي يضعها.
كما دافع عن تشدد البنوك في منح القروض، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، موضحاً أن أموال البنوك “فلوس مودعين” وليست أموالاً يمكن المخاطرة بها دون دراسة.
وأشار إلى أن بعض المشكلات التي تواجه الشركات الصغيرة ترتبط بعدم وجود بيانات مالية دقيقة أو وجود أكثر من ميزانية للشركة الواحدة، قائلاً: “فيه ناس بتعمل ميزانية للضرائب وميزانية للبنك”، وهو ما يجعل تقييم المخاطر أكثر تعقيداً بالنسبة للبنوك.
“أي حاجة بتحصل بره… هتيجي عندنا”
وفي ملف التكنولوجيا المالية والرقمنة، قال عز العرب إن التحول الرقمي داخل القطاع المصرفي لم يكن رفاهية بل ضرورة حتمية، مستعيداً واحدة من أولى قراراته بعد توليه قيادة البنك التجاري الدولي، حين أصر على وجود جهاز كمبيوتر وبريد إلكتروني لكل موظف داخل البنك، في وقت كانت فيه بعض التعليمات لا تزال تُرسل عبر الفاكس والأوراق المطبوعة.
وأوضح أن البعض وقتها اعتبر القرار مبالغاً فيه، بل وحذّره من أن الموظفين “هيقعدوا يلعبوا على الكمبيوتر طول النهار”، لكنه كان يرى أن مستقبل البنوك مرتبط بالتكنولوجيا بشكل كامل.
وأضاف: “أي حاجة بتحصل بره هتيجي عندنا”، مشيراً إلى أن من يراقب تطور الأسواق العالمية يستطيع أن يرى مبكراً اتجاهات المستقبل سواء في التكنولوجيا المالية أو الخدمات المصرفية الرقمية أو المدفوعات الإلكترونية.
وأكد أن مصر جزء من الاقتصاد العالمي، وبالتالي لا يمكنها الانعزال عن التحولات الكبرى في عالم البنوك والتكنولوجيا، معتبراً أن وضوح الرؤية والقدرة على قراءة المستقبل هما العنصران الحاسمان في بناء مؤسسات مصرفية قادرة على الاستمرار والنمو.