
الوطن بقيادته، وكيانه، وعاصمته، ومؤسساته يُشبه جسم الإنسان بقلبه، وعقله، وأجهزته الوظيفية، وأطرافه؛ لذلك تمرض الأوطان مثل الأجسام عندما تغزوها الفيروسات، أو تعبث بداخلها الجراثيم الضارة، وربما يموت الوطن عندما يفتك به السرطان والعياذ بالله مثل جسم الإنسان. ولو نظرنا إلى واقع اليمن الشقيق، والحبيب و(غير السعيد) لوجدناه مُنهكًا بالصراعات، وعليلًا بالثارات، وموبوءاً هزيلًا بسبب السرطان الحوثي المدمر، الذي انتشر بجسم اليمن كما خلايا السرطان الخبيثة بجسم الإنسان. فكيف حدث هذا المرض العضال؟ وكيف يتم العلاج؟
من يتمعن بالسياق التاريخي لجماعة الحوثي، أو الحركة أو الميليشيا الحوثية يجد أنها بدأت خليةً سرطانية صغيرة في مدينة صعدة القريبة من قلب اليمن (صنعاء)، وذلك خلال عقد الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، فلم ينتبه لها الجسم اليمني بعقله ويعيها بقلبه، خاصةً أن هذه الخلية بدأت تتغذى على الجراثيم الإيرانية (الأسلحة والخبرات) بدايةً من العام 1982م، وفي عقد التسعينيات الميلادية بدأت الخلايا السرطانية الحوثية تتكاثر بكل تلك الجراثيم حتى انتشرت بكل صعدة. هنا استشعر قلب اليمن حجم الألم الذي تُسببت به تلك الخلايا، التي تأكل من جسم اليمن شيئًا فشيئًا، وربما بالموت المرتقب إن استمر انتشار السرطان؛ لذلك قام القلب بضخ كريات الدم البيضاء (الجيش اليمني) لمحاربة بعض خلايا السرطان الحوثي التي حاولت الوصول إلى القلب؛ فكان مرض اليمن خلال الفترة (2004 – 2010م)؛ بسبب الحروب الستة بين كريات الدم البيضاء (الجيش اليمني) والخلايا السرطانية (الميليشيا الحوثية)، حيث نجحت الكريات البيضاء بالقضاء على إحدى أهم الخلايا (حسين الحوثي)، فتراجعت الخلايا السرطانية بشكل كبير، وبدأ أن جسم اليمن يشعر بالتعافي.
لكن الإشكال أن جسم اليمن -مثل أجسام عربية أخرى- تعرض لفيروس خطير من خارجه هو (الفوضى الخلاقة)، بعد انتشار وباء مصطنع في مختبرات الدوائر الغربية بما عُرف بـ (ثورات الربيع العربي)، فصار جسم اليمن يُحارب نفسه. فالعقل خاصم القلب، والأجهزة الوظيفية صارت تُعطل العمل والتنمية، وتوقفت كريات الدم الحمراء (الخدمات)، فاستغلت خلايا السرطان الحوثية في صعدة هذا الموقف الحساس والملتبس، حيث انتقل بعض هذه الخلايا إلى القلب (صنعاء) بداعي المشاركة في إصلاح جسم اليمن من علل الفساد المالي والديمقراطي، فقد وقفت إلى جانب كريات الدم البيضاء التي كانت تحاربها بالأمس.
لكن مع تدخّل الطبيب (دول الخليج) بالعلاج السريع (المبادرة الخليجية) استعاد جسم اليمن عافيته من جديد، وانتظم عمل قلبه (العاصمة صنعاء)، ونشطت كريات الدم الحمراء (خدمات الدولة)، وأعيد تشكل كريات الدم البيضاء (الجيش) و(المقاومة الوطنية)، إلا أن تحت خلل الرماد وميض شر يُوشك أن يكون له ضرامٌ. فبينما كان القلب يتلقى العلاج، كانت خلايا السرطان الحوثية تفتك بكل محافظة صعدة، وبالذات مدينة دماج، ثم انتشرت هذه الخلايا في محافظة عمران المجاورة حتى فتكت بها، بعد أن تغلبت على المضادات الحيوية (اللواء 310)، وبعدها طوقت هذه الخلايا الحوثية القلب (صنعاء)، ودخلتها وانتشرت فيها فسقط جسم اليمن مريضًا هزيلًا شاحبًا (الانقلاب الحوثي). لم يتوقف السرطان الحوثي، بل واصلت خلاياه الانتشار فاتجهت نحو الحديدة (المعدة) التي تمد الجسم بالطاقة والحيوية عبر مينائها المهم، ثم إب والبيضاء، بل لم يكتف السرطان الحوثي انتشارًا بالمحافظات الشمالية والغربية، بل اتجه نحو المحافظات الجنوبية والشرقية، وبالذات محافظة تعز الإستراتيجية (العقل)، التي اقتحمها في مارس 2015م، فتصدت الأجهزة المناعية لمقاومة الخلايا السرطانية الحوثية، ومنع انتشارها كما حدث في مواقع كثيرة من جسم اليمن، مثل محافظة شبوة الأبية، ومدينة عدن الساحلية، التي هاجمتها خلايا الحوثي السرطانية قبل أن يتم القضاء على هذه الخلايا بفعل العلاج الفعَّال (عاصفة الحزم)، ومن ثم تحرير المدينة و80 بالمائة من جسم اليمن، الذي لا يزال يعاني من هذا السرطان الحوثي الخبيث، وقد تسبب في استشهاد أكثر من 500 ألف يمني، وأكثر من مليون مصاب، ونزوح 15 مليون يمني داخل اليمن وخارجها. خلال ذلك الانتشار السرطاني تمت مداهمة 12 ألف بيت يمني وانتهاك حرمته، ناهيك عن تدمير 853 منزلًا. وتفجير 48 مسجدًا ضمن انتهاك حرمة 1085 مسجدًا وجامعًا كأحد جوامع تعز، وجامع الفردوس بصنعاء. أما النساء فقد تسبب السرطان الحوثي بترمل 30 ألف امرأة يمنية، ووجود 391 امرأة مختطفة في السجون الحوثية، بل حتى الأطفال نالهم هذا السرطان الخبيث بوجود 60 ألف طفل يتيم. وتجنيد سبعة آلاف طفل إجباريًا للقتال بصفوف هذه الميليشيا الإرهابية، منهم خمسة آلاف قتلوا بهذه الحرب المدمرة. ولأن الحركة الحوثية تنشر كالسرطان في جسم اليمن كما تنشر الخراب في دياره، فقد زرعت مليونين لغم أرضي تسببت في 11 ألف حالة بتر أطراف وإصاباتدائمة. اليوم نعيش العلاج الأخير لمرض اليمن بالقضاء على الخلايا السرطانية الحوثية عن طريق (فجر اليمن).
نقلا عن صحيفة “الجزيرة” السعودية