
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان البحر الأحمر يمثل فعلا بديلا آمنا لمضيق هرمز، أم أن الخليج ينقل جزءًا من أزمته من ساحة نفوذ إيرانية إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة.
ظاهريا يبدو البحر الأحمر أقل حساسية من الخليج العربي. فهو أوسع جغرافيا، وأكثر ارتباطًا بحركة التجارة الدولية، كما أن وجوده بعيدا عن السواحل الإيرانية المباشرة يمنح انطباعا بأنه أقل عرضة للتهديدات. لكن الوقائع التي كشفتها السنوات الأخيرة تقول العكس تماما. فإيران التي بنت نفوذها في الخليج عبر القوة البحرية والحرس الثوري، نجحت أيضا في بناء نفوذ مواز في البحر الأحمر من خلال الحوثيين في اليمن.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالهروب من تضييقات إيران في هرمز لا يعني التخلص من نفوذها في البحر الأحمر. بل إن طهران تمكنت عمليا من تطويق أهم ممرين بحريين للطاقة في المنطقة، من هرمز شرقا إلى باب المندب غربا، عبر مزيج من القوة المباشرة والوكلاء المحليين.
والأخطر أن التهديد الحوثي في البحر الأحمر قد يكون أكثر تعقيدا من التهديد الإيراني المباشر في هرمز. ففي حالة إيران تتعامل دول الخليج والعالم مع دولة واضحة المعالم، تخضع لحسابات الردع التقليدية، وتدرك حدود الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. أما الحوثيون فيتحركون كقوة غير نظامية، ضمن بيئة جغرافية شديدة التعقيد، وبأدوات منخفضة الكلفة وعالية الإرباك، من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان البحر الأحمر يمثل فعلا بديلا آمنا لمضيق هرمز أم أن الخليج ينقل جزءا من أزمته من ساحة نفوذ إيرانية إلى ساحة أخرى
لقد جربت الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا بشكل فردي أو ثنائي توجيه ضربات عسكرية للحوثيين، لكن النتائج ظلت محدودة. فالجغرافيا اليمنية الوعرة، وطبيعة انتشار الجماعة في مناطق جبلية، وقدرتها على إعادة التموضع بسرعة، جعلت من الصعب تحويل التفوق العسكري إلى حسم استراتيجي. ولهذا لم تؤد الضربات الغربية إلى إنهاء التهديد في البحر الأحمر، بل اقتصرت غالبًا على احتوائه ومنع توسعه.
في معركة”إسناد غزة” التي خاضها الحوثيون في سياق الأجندة الإيرانية نجح الحوثيون في إرباك حركة الملاحة العالمية ودفع الشركات إلى الاتجاه إلى رأس الرجاء الصالح وخنق قناة السويس، وذلك بالرغم مما كان يقال عن محدودة قدراتهم والاستهانة بهم.
هذا الواقع يفسر لماذا تميل القوى الغربية أحيانا إلى سياسة”إدارة الأزمة” بدل حلها. فبدل الذهاب إلى مواجهة شاملة مع الحوثيين، يجري البحث عن قنوات اتصال غير مباشرة معهم بهدف منع الانفجار الكامل وتأمين حد أدنى من سلامة الملاحة. لكن هذه المقاربة تعني عمليا الاعتراف بقدرة إيران على التحكم في المضائق والتطبيع معه كأمر واقع ومنحها وقتا إضافيا لترتيب أوراقها الإقليمية، تماما كما حدث مرارا في ملفات أخرى.
المشكلة أن الرهان على الحوار مع الحوثيين يواجه المعضلة نفسها التي تعرقل أي تفاهم مستدام مع إيران. فالقضية لا تتعلق فقط بقبول الحوثيين طرفا رئيسيا في أي تسوية مستقبلية في اليمن ومنحهم امتيازات على حساب مكونات أخرى، بل بطبيعة القرار الذي يحكم الجماعة نفسها. فالحوثيون ليسوا مجرد فصيل محلي يحمل مطالب سياسية داخلية، بل جزء من شبكة نفوذ إقليمية تقودها طهران، وتتعامل مع الممرات البحرية باعتبارها أوراق ضغط استراتيجية إيرانية في مواجهة الغرب والخليج.
ولهذا تبدو أي اتفاقات تهدئة مع الحوثيين أقرب إلى ترتيبات مؤقتة منها إلى تسويات مستقرة. فطالما بقي القرار الاستراتيجي مرتبطا بالحسابات الإيرانية، فإن التهدئة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى تصعيد بمجرد تغير الظروف الإقليمية. ويمكن الإشارة هنا إلى جهود السعودية في بناء الثقة مع إيران عبر حوار استمر لأشهر، لكن الإيرانيين قفزوا على تلك الجهود مع بداية الحرب وقصفوا منشآت سعودية تماما كما قصفوا مواقع ومنشآت لدول خليجية أخرى. كما أن سلطنة عمان، التي ظلت وما تزال قناة الاتصال الرئيسية في أزمات إيران، لم تسلم من الاستهداف العشوائي للحرس الثوري خلال الحرب.
هذه الحقيقة تعيد التذكير بالمأزق نفسه الذي يواجهه الخليج في التعامل مع إيران. فكما أن فكرة التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء دائم مع طهران تصطدم بطبيعة النظام الإيراني القائم على التوسع وبناء النفوذ عبر الأذرع المسلحة، فإن أي تفاهم مع الحوثيين يظل رهينة لهذا المشروع الإقليمي الأوسع. لذلك لا يبدو البحر الأحمر فضاء منفصلا عن الصراع مع إيران، بل امتدادا له بأدوات مختلفة.
لكن حتى لو افترضنا نجاح دول الخليج في تأمين جزء كبير من صادراتها عبر البحر الأحمر، فإن هناك معضلة اقتصادية وجغرافية يصعب تجاوزها. فمعظم النفط الخليجي لا يذهب غربا نحو أوروبا، بل شرقا نحو الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. وهذا يعني أن جزءا كبيرا من تجارة الطاقة الخليجية سيظل مرتبطا جغرافيا بمضيق هرمز مهما توسعت البدائل.
بمعنى آخر، يمكن للبحر الأحمر أن يخفف من الاعتماد على هرمز، لكنه لا يستطيع إلغاء أهميته بالكامل. فالجغرافيا ما تزال تمنح المضيق موقعا محوريا في حركة الطاقة العالمية، وخاصة بالنسبة إلى الأسواق الآسيوية التي أصبحت تمثل القلب الحقيقي للنفط الخليجي.
التهديد الحوثي في البحر الأحمر قد يكون أكثر تعقيدا من التهديد الإيراني المباشر في هرمز فالحوثيون يتحركون كقوة غير نظامية ضمن بيئة جغرافية شديدة التعقيد
ومن هنا يبدو أن المشكلة ليست تقنية أو لوجستية فقط، بل سياسية واستراتيجية بالأساس. فبدلًا من الاكتفاء ببناء مسارات بديلة، كان يفترض بدول الخليج أن تستخدم أوراق قوتها الاقتصادية والدبلوماسية لفرض معادلة جديدة تضمن إعادة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي كممر دولي آمن. حالة المرونة الحالية يفهمها الإيرانيون على أنها ضعف وليست عقلانية تضع استقرار الإقليم كأهمية قصوى.
الخليج لا يملك النفط فقط، بل يمتلك أيضًا تأثيرًا عميقًا على الاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة، وخاصة الصين والهند. وهذه الدول، رغم علاقاتها الوثيقة مع إيران، تعتمد بصورة حيوية على استقرار تدفق النفط الخليجي. لذلك كان يمكن توظيف هذه المصالح لدفع القوى الكبرى إلى ممارسة ضغوط أكثر جدية على طهران لمنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز سياسي.
لكن المشكلة أن المجتمع الدولي نفسه بات يتعامل مع أزمات المنطقة بمنطق إدارة التوتر لا إنهائه. فالقوى الكبرى تخشى الانفجار الشامل، لكنها لا تبدو مستعدة لدفع كلفة مواجهة حقيقية مع المشروع الإيراني. وهذا ما يمنح طهران هامشا واسعا للمناورة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر.
في النهاية، لا يبدو أن البحر الأحمر قادر وحده على تحرير الخليج من عقدة هرمز. فالتهديد لم يعد مرتبطا بممر بحري بعينه، بل بشبكة نفوذ إيرانية تمتد من الخليج إلى العراق واليمن. ولذلك فإن أي استراتيجية خليجية لأمن الطاقة لن تكون فعالة ما لم تتعامل مع أصل المشكلة، أي معادلة النفوذ الإقليمي التي سمحت لطهران بتحويل الجغرافيا العربية إلى سلسلة من أوراق الضغط المتصلة.
قد ينجح الخليج في تقليل خسائره، وفي بناء بدائل تمنحه مرونة أكبر، لكنه لن يستطيع الهروب بالكامل من تداعيات الصراع مع إيران بمجرد تغيير مسار الأنابيب. فالمشكلة ليست في هرمز وحده، بل في المشروع الذي جعل من كل الممرات البحرية المحيطة بالخليج ساحات مفتوحة للصراع والابتزاز.
“العرب”