


روكب اليوم
تدخل جائزة غونكور الأدبية الفرنسية (Le Prix Goncourt) موسمها الجديد بقائمة أولى طويلة تضم 16 عملا أدبيا، ترسم في تنوعها ملامح واسعة للرواية الفرنسية والفرنكوفونية اليوم.
تجمع القائمة أسماء رسخت حضورها في المشهد الأدبي بأصوات أكثر حداثة، وتتنقل الروايات بين التاريخ والحرب والذاكرة والعائلة والهجرة والمنفى والهوية، فتقدم للقارئ فسيفساء روائية تتجاور فيها التجارب الشخصية مع الأسئلة الكبرى.
تضم القائمة الطويلة الأولى، التي أعلنت عنها أكاديمية غونكور، تسعة كتاب وسبع كاتبات؛ وتضع إلى جانب فيليب جانادا، ويانيك هانيل، وأوليفييه رولان، أسماء مثل أناندا ديفي وليليا حسين وكليمانتين ميلوا، إلى جانب كتاب يخوض بعضهم تجربته الروائية الأولى، مثل تيليسون أورليان.
من خلال هذه الأصوات المتنوعة تتشكل صورة أدبية تتحرك بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.
روايات تبحث عن ماضيها
تستعيد رواية “المجهولة في رصيف جافيل” (L’Inconnue du Quai de Javel) لفيليب جانادا، الصادرة عن دار فلاماريون، جريمة قتل وقعت في باريس عام 1949، حيث عُثر على الشابة لويز كانسو مقتولة وأُغلق الملف ضد مجهول. بعد خمسة وسبعين عاما، يعود جانادا إلى القضية عبر الوثائق والأرشيف، مستعينا بتقنيات المحقق ميغريه في روايات جورج سيمنون ليفتح بابا على حياة إنسانية ابتلعها النسيان.
ومن باريس إلى طروادة، ينقل أوليفييه رولان القارئ في “الحرب الأبدية” (La Guerre éternelle)، الصادرة عن دار غاليمار، إلى زمن سحيق يتتبع فيه آثار حرب طروادة في الأناضول، ممتزجا بالأسطورة والتاريخ والمكان في قراءة تتأمل جذور العنف عبر العصور.
وفي “غابة” (Une forêt)، الصادرة عن ألبان ميشيل، يقدم جان-إيف جوانيه نصا قصيرا وكثيفا يتقاطع فيه الأدب مع الفن والتاريخ. ويعمل جوانيه أستاذا في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس، وعُرف بمشروعه الطويل “موسوعة الحروب” الذي عُرض في مركز بومبيدو بين عامي 2008 و2024، ليواصل في روايته الجديدة تأمل علاقة الإنسان بالعنف وآثار الحروب.
حين تصبح السيرة رواية
يضع بوريس بيرغمان تجربة الأب الغائب في قلب رواية “مينوتور” (Minotaure)، الصادرة عن ألبان ميشيل. شاب في الثالثة والعشرين يستعد للقاء والده للمرة الأولى بعد حياة كاملة من الغياب.
وُلد بيرغمان في باريس عام 1992، ونشر خمسة أعمال وفاز بجائزتي “فوكاسيون” و”فينيون” وأقام في “فيلا ميديتشي” و”فيلا كوجوياما”، وتحمل روايته الجديدة نبرة شخصية واضحة كأول عمل له بطابع سير ذاتي.
وتدخل كليمانتين ميلوا إلى منطقة الذاكرة الحميمة في “أشياء كنت أظن أنني فقدتها” (Choses que je croyais perdues)، الصادرة عن لأرباليت/غاليمار؛ حيث تستعيد امرأة تستعد لمغادرة شقتها بعد انفصال عاطفي تاريخ علاقة كاملة عبر تفاصيل صغيرة وأشياء مادية عابرة.
وتضع آن غودار العائلة في مركز “نحن أيضًا” (Nous aussi)، الصادرة عن أكت سود، متأملة حدود الفرد داخل الجماعة. فيما تتناول لويز شينيفيير في “اصنع الجلد” (Faire la peau)، الصادرة عن P.O.L، العلاقة المعقدة والعنيفة بين الأمهات والبنات.
أما إيما مارسانت فتبدأ في “لا تمحُ دوائري” (N’efface pas mes cercles)، الصادرة عن فيردييه، من انتحار امرأة عام 1980، لتعود إلى تاريخ عائلتها في خمسينيات القرن الماضي كاشفة أثر السلطة الأبوية والحرب والاستعمار.
أصوات خارج المركز
تمنح قائمة 2026 حضورا واضحا للأدب الفرنكوفوني والتجربة القادمة من الهامش؛ إذ تدخل الكاتبة الموريشية ذات الجذور الهندية أناندا ديفي المنافسة برواية “سجل مملكة مفقودة” (Chronique d’un royaume perdu)، الصادرة عن غراسيه، متتبعة أربعة أجيال في قرية “لو بوشون” بموريشيوس منذ زمن العبودية.
ويكتب تيليسون أورليان في روايته الأولى “كان هذا أو الموت” (C’était ça ou mourir)، الصادرة عن غراسيه، عن رحلة الأستاذ والشاعر الهايتي “جوناس دورليون” الذي يفر من العنف عبر بلدان أمريكا اللاتينية نحو كندا، مستخدما الشعر والسخرية أدوات للمقاومة.
ويعود أوليفييه غروندو في “جوزيف في الليل” (Joseph dans la nuit)، الصادرة عن ليكونوكلست، إلى تجربة اعتقاله في إيران عام 2022 حيث قضى أكثر من عامين في السجن، محولا العزلة والاحتجاز عبر الشعر والخيال إلى بحث عن الحرية الداخلية.
وتدخل ليليا حسين، الكاتبة الفرنسية من أصول جزائرية، المنافسة برواية “أنا” (Je)، الصادرة عن غاليمار، مستعادة شخصية “أنطوانيت كوزواي” (الزوجة الأولى لإدوارد روتشستر في “جين إير”) لتمنحها صوتا ومصيرا خاصا خارج هامش الرواية الفيكتورية.
ويقترب يانيك هانيل من أسئلة المدرسة والمجتمع في “وحدة الأساتذة لا نهائية” (La Solitude des professeurs est infinie)، الصادرة عن غاليمار.
مشهد متعدد الوجوه
تستعيد سونيا دوفيلير في “البيانو الرائع” (Le Fabuleux Piano)، الصادرة عن روبير لافون، قصة بيانو صادره النازيون من عائلة يهودية في باريس. وفي “من الجهة الأخرى للبحيرة” (De l’autre côté du lac)، الصادرة عن دار مينوي, يبني سيلفان برودوم أجواء مشحونة بالغموض قرب بحيرة جبلية في منطقة محمية عقب العثور على جثة واختفاء فريق الباحثين.
ويعود باتريس تريغانو في “معركة في المحاكمة” (Bataille au procès)، الصادرة عن موريس نادو، إلى محاكمة الناشر الشهير جان جاك بوفير عام 1956 بسبب نشر أعمال الماركيز دو ساد، مستحضرا حضور الفيلسوف جورج باتاي في تلك القضية ليتقاطع الأدب مع حدود الرقابة والأخلاق.
أثر لا ينتهي عند الجائزة
تحتل جائزة الغونكور موقعا استثنائيا في الحياة الأدبية الفرنسية منذ تأسيسها عام 1903؛ إذ تتجاوز المكافأة المالية الرمزية (10 يورو )) لتصنع أثرها الحقيقي عبر المبيعات الضخمة والترجمات. وتتجلى هذه القوة في تجربة الفائز بدورة 2025، لوران موفينييه، عن روايته “البيت الفارغ” (La Maison vide)، التي تجاوزت مبيعاتها 630 ألف نسخة.
ستتقلص القائمة الطويلة من 16 رواية إلى ثمانٍ في 6 أكتوبر/تشرين الأول، ثم إلى أربعٍ في 27 أكتوبر/تشرين الأول، قبل إعلان الفائز النهائي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني في مطعم “دروان” العريق بباريس.