







روكب اليوم
حركة شعبية فرنسية ظهرت عام 2018، واعتبرت واحدة من أكبر الحركات الاحتجاجية وأطولها أمدا في فرنسا منذ عقود. اندلعت شرارتها على خلفية ارتفاع سعر الوقود والزيادة المقررة في ضريبة الكربون، لكنها سرعان ما تجاوزت مطالبها الأولية، لتعبّر عن سخط أوسع إزاء النظام السياسي ومؤسساته.
تستمد الحركة اسمها من سترات السلامة الصفراء (Gilets jaunes) التي ارتداها المتظاهرون واتخذوها رمزا لتحركاتهم. وهذه السترات الفسفورية مُلزم سائقو السيارات في فرنسا بحملها داخل مركباتهم، وفقا للقانون، مما جعلها متاحة على نطاق واسع، وسهّل اعتمادها شعارا بصريا موحدا للاحتجاجات.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listانطلقت الاحتجاجات يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، واستمرت في صورة مظاهرات أسبوعية تُنظّم أيام السبت، وعلى الرغم من تراجع حكومة ماكرون عن الزيادة الضريبية المفروضة بعد أقل من 3 أسابيع من الاحتجاجات، غير أنها استمرت، بعد أن تحولت إلى موجة من الغضب الموجّه ضد ماكرون وسياساته.
الأسباب
اندلعت أولى احتجاجات السترات الصفراء في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، غضبا من ارتفاع أسعار الوقود، والضريبة المفروضة عليه. إذ كان سعر الديزل قد ارتفع في عام بنسبة 23% للديزل و14% للبنزين، وتجاوز سعر اللتر الواحد من كلا النوعين 1.50 يورو (نحو 1.62 دولار)، ليصبحا من بين الأغلى في أوروبا.
وكانت حكومة ماكرون قد أعلنت فرض زيادة إضافية في الضرائب على الوقود بواقع 6.5 سنتات إضافية لكل لتر من الديزل، و2.9 سنت لكل لتر من البنزين. وكان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير/كانون الثاني 2019. وكانت هذه الضريبة قد شهدت زيادات تدريجية منذ عام 2014.
وبررت الحكومة سياستها بوصفها تهدف إلى تحقيق “التحول البيئي “، وتشجيع استخدام مزيد من المركبات الصديقة للبيئة، في حين أثارت الزيادة استياء كثير من الفرنسيين، الذين يرون أنهم لا يملكون خيارا سوى استخدام سياراتهم، وأنهم لا يستطيعون تحمّل تكلفة البدائل الباهظة.
الشرارة والتنظيم
تردّد صدى هذه القرارات في أوساط الفرنسيين، الذين عبّروا عن غضبهم عبر المنصات الرقمية، حيث ظهرت حملات متفرقة تطالب بخفض أسعار الوقود. ومن أبرز هذه المبادرات عريضة إلكترونية أطلقتها سيدة الأعمال بريسيليا لودوسكي في مايو/أيار 2018، لتصبح لاحقا إحدى الشخصيات البارزة في حركة السترات الصفراء.
في البداية، لم تلقَ العريضة تفاعلا يُذكر، قبل أن يتزايد الاهتمام بها في أكتوبر/تشرين الأول، إثر تنسيق لودوسكي جهودها مع سائق الشاحنة إريك درويه، الذي تواصل معها للمساعدة في الترويج للعريضة. وبحلول 25 أكتوبر/تشرين الأول، قفز عدد التوقيعات عليها من 10 آلاف إلى 226 ألفا.
وبالتوازي مع ذلك، أُطلقت مبادرات أخرى احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود، من بينها حملة “تكلفة الوقود ” التي دشّنتها جمعية “40 مليون سائق ” في منتصف سبتمبر/أيلول. ودعت الحملة السائقين إلى إرسال فواتير شراء البنزين أو الديزل إلى قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية، مرفقة برسالة احتجاجية.
ووفقا لما نقلته صحيفة لو باريزيان (Le Parisien) في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2018، أفاد المندوب العام للجمعية، بيير شاسيراي، بأن رسالة الاحتجاج حُمّلت من الموقع الإلكتروني للجمعية أكثر من 700 ألف مرة.
مسار الاحتجاجات
تعزو صحيفة الغارديان (The Guardian) فكرة تنظيم احتجاج على مستوى البلاد ضد ضرائب الوقود في سبت 17 نوفمبر/تشرين الثاني إلى إريك درويه. ووفقا لموقع فايس (Vice)، أطلق درويه وسائق الشاحنات برونو لوفيفر دعوة عبر فيسبوك لإغلاق الطرق في مختلف أنحاء فرنسا في ذلك اليوم.
ومع تزايد التوقيعات على العريضة وانتشار الدعوة إلى الاحتجاج، حصدت مقاطع فيديو متداولة ملايين المشاهدات، تراوحت بين 3 و6 ملايين مشاهدة، واقترح أحدها اعتماد السترات الصفراء رمزا للحركة الاحتجاجية.
وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني، خرج سائقون إلى الطرق في مختلف أنحاء البلاد، حيث أقاموا الحواجز ونظّموا قوافل من المركبات والشاحنات التي سارت ببطء، في محاولة لعرقلة حركة المرور. وشارك في الاحتجاجات نحو 300 ألف شخص، وفقا للتقديرات المتداولة آنذاك.
وحظيت الحركة في بدايتها بتأييد سكان البلدات الصغيرة والمناطق الريفية، حيث يعتمد كثيرون على السيارات في تنقلاتهم اليومية. لكنها سرعان ما تجاوزت الاعتراض على ضرائب الوقود، لتتحول إلى حركة احتجاجية أوسع عبّرت عن استياء قطاعات من الفرنسيين مما رأوه انحيازا من ماكرون إلى النخب وسكان المدن الميسورين، على حساب الفئات الأقل دخلا.
ويرى محللون أن شريحة واسعة من المشاركين في حركة السترات الصفراء تنتمي إلى فئات العمال ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، الذين يشكون من صعوبة تغطية نفقاتهم المعيشية، ومحدودية استفادتهم من الخدمات العامة، في مقابل أعباء ضريبية تُعد من بين الأعلى في أوروبا.
وفي الأسبوع التالي، سبت 24 نوفمبر/تشرين الثاني، شارك نحو 106 آلاف متظاهر في احتجاجات جديدة. وعلى الرغم من أن معظم المظاهرات في فرنسا اتسمت بالسلمية، شهدت العاصمة باريس مواجهات وأعمال عنف، تخللها نهب متاجر وإضرام النار في سيارات بأحياء راقية محيطة بجادة الشانزليزيه الشهيرة.
الاشتباكات والتصعيد
أُصيب عدد من الأشخاص بجروح خطيرة جراء استخدام الشرطة أسلحتها ضد المتظاهرين، وتداولت منصات مرتبطة بالحركة هذه الأحداث باعتبارها دليلا على ما وصفته بممارسات العنف والقمع المتعمدة من جانب الشرطة.
في المقابل، ندّد بعض منظّمي الاحتجاجات بأعمال العنف التي صدرت عن عدد من المحتجين، معتبرين أن الجهات المسؤولة عنها تسعى إلى اختطاف حركة السترات الصفراء والاستيلاء عليها، بما يهدد أهدافها الأصلية.
وشهدت جولات الاحتجاج اللاحقة تفاوتا في مستويات المشاركة والعنف. وبحسب الغارديان، تخللت احتجاجات 8 ديسمبر/كانون الأول 2018 أعمال عنف شاركت فيها مجموعات من أقصى اليمين واليسار المتطرف، إلى جانب بعض المحتجين من حركة السترات الصفراء، فيما اتسم تعامل الشرطة مع المتظاهرين بتصعيد متزايد.
وعلى مدى الأسابيع التالية، انتقل جانب كبير من أعمال العنف من باريس إلى مدن أخرى في الأقاليم الفرنسية، ولا سيما تولوز وبوردو وكان وروان ورين.
وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في احتجاجات الأسبوع الحادي عشر بنحو 69 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد.
القمع والإصابات
وفقا لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في عام 2020، أصيب 2,945 متظاهرا خلال الاحتجاجات، فيما قُتل 11 شخصا، من بينهم امرأة توفيت متأثرة بإصابات لحقت بها إثر انفجار قنبلة يدوية داخل شقتها، خلال الفترة الممتدة بين 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 و12 يوليو/تموز 2019، وهي مرحلة الذروة من الحراك.
كما وثّقت التقارير إصابات خطيرة خلّفت عاهات مستديمة، جراء استخدام الشرطة الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية. وفقد أكثر من 40 شخصا جزءا من بصرهم أو بصرهم بالكامل في إحدى العينين، فيما أُصيب 32 شخصا بالعمى في إحدى العينين، وبُترت أيدي خمسة أشخاص جراء الإصابات، وفقا لمنظمة العفو الدولية.
كما أُوقف 11,203 أشخاص على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات، وأُحيل 5,241 شخصا إلى المحاكمة. وفي عام 2019، أُدين 20,280 شخصا بتهمة “إهانة موظفين عموميين “، من بينهم متظاهرون. كذلك، فُرضت قيود على حرية التنقل والتجمع على 4,122 شخصا قبل انطلاق المظاهرات.
في المقابل، سجّلت الشرطة الوطنية 1,528 إصابة في صفوف عناصرها في الفترة الممتدة من 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إلى 7 مارس/آذار 2020، من بينها 84 إصابة في صفوف العاملين في مقر شرطة باريس، وفقا للموقع الرسمي للجمعية الوطنية الفرنسية.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أنه، في ظل الارتفاع الحاد في استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، لجأ المتظاهرون إلى ارتداء الأقنعة والخوذات والنظارات الواقية لحماية أنفسهم.
وفي أبريل/نيسان 2019، فُرض حظر شامل على تغطية الوجه أثناء المظاهرات، مع تعريض المخالفين لغرامات تصل إلى 15 ألف يورو (نحو 16.2 ألف دولار) وعقوبة بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد. وبين أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2019، احتُجز 210 أشخاص احتياطيا بموجب هذا الحظر قبل توجيه اتهامات إليهم، فيما أُدين 41 متظاهرا بارتكاب هذه المخالفة.
إلغاء الزيادة الضريبية
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على اندلاع الاحتجاجات، أعلن رئيس الوزراء إدوار فيليب تعليق الزيادات الضريبية لمدة ستة أشهر، وبعد يوم واحد، تراجعت الحكومة عن الزيادة الضريبية نهائيا، في استجابة للاحتجاجات التي تواصلت في البلاد.
كما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون حزمة من الإجراءات قُدّرت كلفتها بنحو 10 مليارات يورو (نحو 10.8 مليارات دولار)، شملت زيادة دخل العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور بمقدار 100 يورو (نحو 108 دولارات) شهريا وإعفاء أجور العمل الإضافي من ضريبة الدخل والاشتراكات الاجتماعية.
ومع ذلك، استمرت حركة السترات الصفراء، بعدما تجاوزت مطالبها الأصلية المتعلقة بأسعار الوقود والضرائب، لتتحول إلى موجة من الغضب المناهض للرأسمالية والموجّه ضد ماكرون وسياساته.
ووفقا لتقرير إذاعة فرنسا الدولية (آر إف آي)، أخذ زخم الاحتجاجات يتراجع تدريجيا، على الرغم من استمرار الاشتباكات في مناسبات عدة، إلى أن خفتت الحركة بحلول خريف عام 2019.
احتجاجات 2026
في منتصف سبتمبر/أيلول 2026، اندلعت احتجاجات طلابية في إحدى المدارس الثانوية بمدينة كريتاي، في ضواحي باريس، تنديدا بتهالك المباني المدرسية، واكتظاظ الفصول الدراسية، ونقص المعلمين، وما يراه الطلاب نظاما تعليميا يشوبه قدر كبير من انعدام المساواة.
امتدت التحركات إلى آلاف المدارس الثانوية في مختلف أنحاء البلاد، وسرعان ما تجاوزت المطالب التعليمية لتعبّر عن غضب أوسع إزاء تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة. وأضفى على الاحتجاجات زخما اجتماعيا أوسع انضمام معلمين ونقابات عمالية وطلاب جامعات.
ودعا ناشطون من حركة السترات الصفراء أنصارهم إلى الانضمام إلى الطلاب، للمشاركة في احتجاجات السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في تظاهرات تجمع بين “الصفر والشباب ” على حد قولها.
وأعلنت السلطات الفرنسية أن نحو 550 ألف شخص شاركوا في احتجاجات ذلك اليوم في مختلف أنحاء البلاد، بينهم 110 آلاف في العاصمة باريس.
وفي حين اتسمت مسيرات الغالبية العظمى من المتظاهرين بالسلمية، أقدمت أقلية منهم على مهاجمة المباني ونهب المتاجر والاشتباك مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع واندفعت باتجاه المتظاهرين لتفريقهم.
المصدر: الجزيرة + غارديان + منظمة العفو الدولية