فيضانات الفرات في سوريا.. 5 أسئلة عن الأسباب والأضرار ومناطق التأثر |


روكب اليوم

بعد سنوات من الجفاف وتراجع منسوب مياه نهر الفرات، تبدل المشهد في الشرق السوري بارتفاع غير مسبوق للمياه وفتح بوابات مفيض سد الفرات.

ورغم تأكيد السلطات السورية تجاوز مرحلة الخطورة، خلفت الفيضانات أضرارا في الرقة ودير الزور، طالت أراضي زراعية ومنازل ومحطات مياه.

وفيما يلي يستعرض التقرير أبرز أسباب فيضانات نهر الفرات، والمناطق التي تركزت فيها الأضرار، وحجم التداعيات الإنسانية والزراعية والخدمية، إضافة إلى كيفية تحول المشهد خلال سنوات قليلة من أزمة جفاف حادة إلى موجة فيضانات غير مسبوقة.

أين تركزت الأضرار؟

تركزت الأضرار الناجمة عن مفيض سد الفرات وارتفاع منسوب نهر الفرات في المناطق التي شهدت تعديات وعشوائيات داخل حرم النهر، إضافة إلى أراضٍ زراعية تقع ضمن نطاق الغمر الطبيعي.

فبعد سنوات طويلة من جفاف الفرات وتراجع منسوبه، اقترب الناس تدريجيا من مجرى النهر، وأُقيمت منازل ومشاريع اقتصادية على أراض كانت تاريخيا جزءا من مجراه أو من مناطقه المعرضة للفيضان.

وامتدت الأضرار من مناطق في محافظة الرقة، مرورا بالميادين والعشارة، وصولا إلى أطراف دير الزور والحدود العراقية، وسط مخاوف من اتساع رقعتها إذا استمر ارتفاع المنسوب.

وبالتزامن مع فتح بوابات مفيض السد وارتفاع منسوب الفرات، اتخذت الجهات المعنية وسلطات الطوارئ سلسلة إجراءات وتدابير عاجلة على طول مجرى النهر، بهدف حماية السكان والمحاصيل والمنشآت.

كما أصدرت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تعليمات مشددة للقاطنين على ضفاف الفرات أو داخل حرمه في الرقة ودير الزور، شملت الاستعداد لموجة فيضان قد ترفع منسوب النهر لأكثر من مترين والإخلاء الفوري للمنازل والمحال القريبة من المجرى، خصوصا في المناطق المنخفضة.

ما أسباب الفيضانات؟

حدثت فيضانات الفرات بسبب اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، إذ شهدت مناطق منبع الفرات في شرق تركيا موسما قويا من الأمطار والثلوج، وتراكمت الثلوج في بعض المناطق بكميات كبيرة، ثم ذابت بسرعة بسبب الأمطار الربيعية الغزيرة، مما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المياه نحو مجرى النهر.

وامتلأت السدود التركية على نهر الفرات بمستويات مرتفعة، الأمر الذي تطلب فتح بوابات المفيض لتخفيض الضغط عنها، فاتجهت هذه المياه بشكل طبيعي نحو الأراضي السورية عبر مجرى الفرات.

كما شهدت سوريا أيضا أمطارا غزيرة، وكانت بحيرات السدود قريبة من الامتلاء. ومع وصول المياه من تركيا، اضطرت الجهات المسؤولة إلى فتح بوابات مفيض سد الفرات لحمايته من الضغط الزائد.

ارتفاع منسوب نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة أسفر عن غمر نحو 5 آلاف دونم (الفرنسية)

وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير إن المؤسسة العامة لسد الفرات تدير الحوض والبحيرات خلف سدود “الفرات وتشرين وكديران”، مشيرا إلى أن كميات المياه المحتجزة كانت قليلة جدا بعد تحرير المنطقة، لدرجة أن محطة البابيري كانت على وشك الخروج من الخدمة في الصيف الماضي بسبب انخفاض منسوب النهر.

وأوضح الوزير أنه كان من المخطط فتح البوابات مسبقا بالتنسيق مع الجانب التركي، إلا أن الإنذار جاء متأخرا، إذ أبلغت تركيا في 22 مايو/أيار الجاري بمضاعفة كميات المياه المطلقة بعد تحذير الأرصاد الجوية بموجة أمطار كبيرة، مما دفع لفتح المفيضات فورا مع تنبيه الأهالي.

لكن تأثير الفيضانات كان أكبر لأن سنوات الجفاف السابقة غيّرت شكل الحياة قرب النهر، فمع انخفاض منسوب الفرات في السنوات الماضية، اقترب الناس أكثر من مجراه، وبنوا منازل ومشاريع على أراض كانت في الأصل جزءا من سرير النهر أو من المناطق المعرضة للغمر.

كما أن بعض المنشآت العامة، مثل محطات ضخ المياه، أُقيمت في مناطق قريبة جدا من مجرى النهر، لذلك خرج عدد منها عن الخدمة بعد ارتفاع المنسوب.

ويقول خبير السدود والموارد المائية عبد الرزاق العليوي إن الأمطار الوفيرة رفعت مخزون بحيرات سد الفرات إلى نحو 97%، مما دفع إدارة السد إلى زيادة كمية المياه الممررة وفتح 3 بوابات من المفيض للسيطرة على الوضع.

ما الأضرار الناجمة عنها؟

خلّفت فيضانات الفرات أضرارا إنسانية وزراعية وخدمية في محافظتي الرقة ودير الزور، وكانت الأخيرة الأكثر تضررا بسبب وصول موجة المياه إليها بعد مرورها بالرقة.

وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن غرفة العمليات تتابع الوضع ميدانيا في المحافظتين، مشيرا إلى عدم تسجيل خسائر بشرية مباشرة بسبب الفيضان. لكنه أوضح أن بعض حالات الغرق سُجلت بين الأطفال أثناء السباحة، نتيجة التيارات الجديدة غير المتوقعة التي أحدثها ارتفاع منسوب النهر.

وشهدت مناطق عديدة على امتداد ضفاف نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة، ارتفاعا ملحوظا في منسوب المياه، مما أسفر عن غمر المياه نحو 5 آلاف دونم، وتضرر حوالي 2400 عائلة، دون خسائر في الأرواح، وفق ما أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث.

وشملت الأضرار أيضا القطاع الخدمي، إذ أوضح رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في محافظة دير الزور، فايز عباس، أن نحو 60 محطة مياه خرجت عن الخدمة بسبب ارتفاع منسوب المياه. وأشار إلى أن فرق العمل سارعت إلى نقل ‏‏المحركات ومجموعات الضخ إلى أماكن آمنة، مع تأمين بدائل مائية للقرى المتضررة بالتعاون مع الشركاء الدوليين‎.‎

هل زالت الخطورة؟

أكد وزير الطاقة محمد البشير أن مرحلة الخطورة جراء ارتفاع منسوب نهر الفرات قد تم تجاوزها، وأنه لا داعي للذعر أو الخوف، مشيرا إلى أن الوضع مقبل على مزيد من تخفيض إطلاقات المياه من نهر وسد الفرات.

وقال البشير في منشور له أمس الجمعة على منصة إكس: “نطمئن أهلنا في دير الزور والرقة بأنه تم تخفيض إطلاقات المياه من سد الفرات، حيث جرى خفض تدفق أحد المفيضات بمقدار 100 متر مكعب في الثانية”.

وأضاف البشير “وفق المعطيات المتوافرة لدينا، فمن المتوقع غدا، إغلاق المفيض الثالث بشكل كامل، علما أن 4 مفيضات كانت تعمل في الوقت الحالي، مما سيؤدي إلى تخفيض إضافي بمقدار 200 متر مكعب في الثانية، مما سينعكس على انخفاض منسوب مياه نهر الفرات”.

وأشار البشير إلى أن ظهور أثر هذا التخفيض قد يستغرق بعض الوقت، ومن المتوقع أن يلمس أهالي دير الزور والرقة نتائجه خلال نحو 48 ساعة.

ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات جاء بعد سنوات من الجفاف القسري والتراجع الحاد في مناسيب المياه (غيتي)

من الجفاف إلى الفيضانات.. كيف تغير المشهد؟

بعد سنوات من الجفاف القسري والتراجع الحاد في مناسيب المياه عاد نهر الفرات، شريان الحياة في الشرق السوري، إلى واجهة المشهد. فمع اقتراب بحيرة سد الفرات من الامتلاء الكامل، بدأت بوابات المفيض تُفتح تباعا، في حدث غير مسبوق منذ عام 1988.

ويأتي هذا التحول بعد عقود من الضغوط المناخية والبنيوية التي أثرت في النهر. فقد ارتفعت درجات الحرارة في شمال شرقي سوريا بنحو درجة مئوية، وتراجع معدل الأمطار بنحو 18 مليمترا شهريا خلال القرن، مما ساهم في انخفاض تدفق منظومة نهري الفرات ودجلة إلى ما يقارب نصف المتوسط السنوي خلال سنوات الجفاف.

ودفعت هذه المؤشرات جهات إقليمية، بينها وزارة الموارد المائية العراقية، إلى التحذير سابقا من خطر جفاف النهر بحلول عام 2024. وفي موازاة ذلك، تراجعت محاصيل زراعية رئيسية، مثل القمح، بنسبة وصلت إلى 75% منذ عام 2011.

وزادت سنوات النزاع من هشاشة المشهد المائي، بعدما تراجعت إمدادات مياه الشرب في سوريا بنسبة 40%، نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية المائية والكهربائية، إضافة إلى انقسام السدود الكبرى بين مناطق سيطرة مختلفة.

كما أبقى الضعف المؤسساتي كثيرا من الخطط والقوانين المتعلقة بمعالجة تلوث المياه وتحديث أنظمة الري حبرا على ورق. ودفع ذلك نحو 47% من السكان إلى الاعتماد على بدائل غير آمنة لنقل المياه، وساهم سابقا في انتشار الأوبئة مثل الكوليرا نتيجة ركود المياه وانخفاض المنسوب.

ورغم أن اتفاقية عام 1987 بين دمشق وأنقرة حددت الحد الأدنى لتدفق المياه عند الحدود السورية التركية بـ500 متر مكعب في الثانية، فإن التدفقات تراجعت خلال السنوات الماضية إلى نحو 200 متر مكعب في الثانية فقط.

ويقع سد الفرات -ويُسمى أيضا سد الطبقة- على نهر الفرات في مدينة الطبقة الواقعة على بُعد 50 كيلومترا غرب مدينة الرقة.

ويبلغ طول السد 4.5 كيلومترات، وعرضه من الأعلى 20 مترا وعند القاعدة 60 مترا. وبُني جسم السد من الأسمنت والحديد الصلب، وصُمم لمقاومة هزات أرضية تصل قوتها إلى 7 درجات على مقياس ريختر، كما يحتجز السد خلفه بحيرة تخزينية تزيد سعتها على 10 مليارات متر مكعب من المياه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks