التراويح في ثلوج كالغاري.. هكذا يقضي مسلمو المدينة الكندية رمضانهم | أسلوب حياة


روكب اليوم

كالغاري- في مدينة كالغاري، إحدى أكبر مدن مقاطعة ألبرتا غربي كندا، لا يقتصر شهر رمضان على الصيام والعبادة فحسب، بل يتحول إلى موسم نابض بالحياة الروحية والاجتماعية، خاصة في العشر الأواخر من الشهر.

ففي مدينة عُرفت ببرودتها القاسية وطول شتائها، تتحول المساجد إلى واحات دافئة يجتمع فيها المسلمون من خلفيات متعددة، ليعيدوا اكتشاف جمال العبادة الجماعية وروح التضامن.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

تزداد حركة المسلمين بشكل ملحوظ في المساجد والمراكز الإسلامية خلال رمضان، حيث تتجمع العائلات والأفراد والأطفال لأداء الصلوات والاستماع إلى تلاوات القرآن، والمشاركة في الإفطارات الجماعية والأنشطة الدينية. ويعكس هذا المشهد روح التآلف التي تجمع الجاليات المسلمة المختلفة في مدينة متعددة الثقافات.

توافد المصلين إلى مسجد أكرم جمعة في كالغاري لأداء صلاة العصر وسط أجواء باردة وتساقط الثلوج (الجزيرة)

قلب المجتمع المسلم

في ليالي رمضان، تمتلئ المساجد في كالغاري بالمصلين الذين يتوافدون لأداء صلاة التراويح والاستماع إلى التلاوات القرآنية الخاشعة. ولا تقتصر وظيفة المسجد على الصلاة، بل يصبح مركزاً اجتماعياً وثقافياً للجاليات العربية والإسلامية، حيث تُنظم حلقات تحفيظ القرآن والدروس الدينية والأنشطة التربوية للأطفال والشباب.

هذه المساجد تشكل مساحة للتعارف والتواصل، حيث يلتقي القادم الجديد مع أبناء الجالية، وتتوطد العلاقات بين الأسر. وفي تلك الأجواء، يشعر كثير من المسلمين بأنهم يعيشون رمضان بروحه الجماعية رغم بعدهم عن البلدان الإسلامية.

مركز أكرم جمعة

من أبرز المراكز الإسلامية في المدينة “مركز أكرم جمعة الإسلامي” الواقع في شمال شرق كالغاري، والذي يخدم أكثر من 25 ألف مسلم في المناطق المحيطة به. تأسس المركز عام 1992 استجابة للنمو المتزايد في أعداد المسلمين، ويضم مسجداً ومركزاً مجتمعياً ومدرسة إسلامية تضم نحو 1200 طالب من مرحلة الروضة حتى الصف الثاني عشر.

ويستقبل المسجد في صلاة الجمعة أكثر من ثلاثة آلاف مصلٍ، وقد يرتفع العدد في بعض الأسابيع إلى نحو 3500 شخص. أما في رمضان، فيزداد الإقبال بشكل ملحوظ، خاصة خلال صلاة التراويح وليالي العشر الأواخر.

مفتي وإمام المسلمين في مقاطعة ألبرتا الشيخ جمال حمود، أثناء حديثه أمام المصلين في مسجد أكرم جمعة (الجزيرة)

رمضان يوحّد الجاليات

يقول إمام مسجد أكرم جمعة الشيخ يوسف ثريا إن رمضان يجعل المساجد قلباً نابضاً يجمع المسلمين من خلفيات عرقية وثقافية مختلفة، من العرب والباكستانيين والأفغان والأفارقة وغيرهم. ويضيف أن الصلوات الجماعية والإفطارات المشتركة والدروس الدينية تسهم في تعزيز الوحدة والتفاهم بين أبناء الجاليات المختلفة.

ويبدأ البرنامج اليومي في المسجد بدروس بعد صلاة الفجر والظهر، ثم درس مطول بعد صلاة العصر يلقيه مفتي وإمام المسلمين في مقاطعة ألبرتا الشيخ جمال حمود. كما تُنظم حلقات تلاوة للشباب قبل المغرب، في حين تشهد صلاة التراويح حضوراً كبيراً من مختلف أنحاء المدينة.

ويحرص كثير من العائلات على اصطحاب أطفالهم إلى المسجد، ليعيشوا أجواء رمضان ويتعرفوا على المجتمع المسلم الذي ينتمون إليه. ومع تزايد الأعداد، يضطر المركز أحياناً إلى فتح الصالة الرياضية التابعة للمدرسة الإسلامية لاستيعاب المصلين.

روح التكافل

لا تقتصر الأنشطة الرمضانية على الصلاة والدروس، إذ ينظم المركز إفطارات يومية مجانية للفقراء والمحتاجين. ويشارك في هذه الموائد عادة أكثر من 150 صائماً يومياً، ويزداد العدد في العشر الأواخر ليصل إلى نحو 250 شخصاً، خصوصاً مع المعتكفين.

كما تشهد المساجد إقبالاً واسعاً على التبرعات خلال رمضان، وهو ما يساهم في دعم الأنشطة الاجتماعية والخيرية، إضافة إلى تمكين الجمعيات الإنسانية من جمع التبرعات لدعم المحتاجين في مناطق مختلفة من العالم.

تُقام صلاة الجمعة مرتين في الصالة الرياضية لمركز السلام الإسلامي بكالغاري بسبب ضيق المساحة (الجزيرة)

تحديات الازدحام

مع هذا الإقبال الكبير، تواجه المساجد في كالغاري تحديات عدة، أبرزها نقص مواقف السيارات وضيق المساحات. ففي بعض الأحيان يضطر المصلون إلى الوقوف في الشوارع المجاورة، الأمر الذي يسبب شكاوى من السكان أو ازدحاماً مرورياً.

ولتخفيف الضغط، تلجأ بعض المساجد إلى إقامة صلاة الجمعة أكثر من مرة في اليوم، بينما يجري التفكير في بناء مساجد جديدة. غير أن الحصول على أراضٍ مناسبة يشكل تحدياً بسبب اشتراطات المساحات والمواقف.

الأطفال والقرآن

تولي المراكز الإسلامية اهتماماً خاصاً بتعليم الأطفال القرآن واللغة العربية، خصوصاً أن كثيراً منهم وُلدوا في كندا.

وتوضح المعلمة رولا تسه، المسؤولة عن برنامج تعليم القرآن واللغة العربية، أن البرنامج يستهدف الأطفال بين سن الخامسة والسادسة عشرة، ويعتمد على تعليم القراءة والتجويد باستخدام مناهج مثل “القاعدة النورانية”.

حلقات تعليم القرآن الأسبوعية تستقطب نحو 300 طالب (الجزيرة)

كما يخصص البرنامج وقتاً يومياً للدراسات الإسلامية، يشمل الفقه والسيرة وقصص الأنبياء. وتشير تسه إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف مخارج الحروف لدى الأطفال الناطقين بالإنجليزية، الأمر الذي يتطلب جهداً إضافياً من المعلمين والأهالي.

ورغم هذه التحديات، يشهد البرنامج إقبالاً متزايداً من العائلات المسلمة، حتى إن بعض المستويات أصبحت تضم قوائم انتظار.

وجهة للعائلات

يؤكد مهند حجو، وهو أحد أولياء الأمور، أن تجربة أبنائه في حلقات القرآن بالمركز كانت مفيدة للغاية، خاصة في ظل البيئة الغربية التي يعيشون فيها. ويشير إلى أن متابعة الأهل لأبنائهم ضرورية لضمان فهمهم لدينهم وتعلم اللغة العربية بشكل صحيح.

ويرى حجو أن المركز يوفر بيئة تربوية متميزة تساعد الأطفال على الارتباط بالقرآن والمسجد، وتمنح العائلات فرصة لبناء جيل يحافظ على هويته الدينية والثقافية.

يستهدف برنامج الأطفال الفئة العمرية من سن الخامسة وحتى السادسة عشرة (الجزيرة)

عطاء يتجاوز الحدود

إلى جانب الأنشطة الدينية، تشهد المدينة مبادرات إنسانية عديدة خلال رمضان. فقد نظمت جمعية الطلاب المسلمين في معهد “جنوب ألبرتا للتكنولوجيا” إفطاراً جماعياً جمع الطلاب المسلمين، مع حملة تبرعات لدعم المبادرات الإنسانية، خاصة في قطاع غزة.

ويقول رئيس الجمعية أدهم الحاج إن هذه الفعاليات تهدف إلى تعزيز روح التكافل والعمل الخيري بين الطلاب، إضافة إلى تقوية الروابط الاجتماعية بينهم خلال الشهر الفضيل.

تشهد حلقات تحفيظ القرآن الكريم إقبالاً متزايداً من قبل الأهالي (الجزيرة)

روح رمضان في قلب مدينة متعددة الثقافات

في كالغاري، حيث يلتقي الناس من مختلف الثقافات والأديان، يمنح رمضان المسلمين فرصة لتجديد صلتهم بدينهم ومجتمعهم. وبين تلاوة القرآن وصلاة التراويح وموائد الإفطار الجماعية، تتجسد روح الشهر الكريم في صور من التراحم والتعاون.

ورغم التحديات المرتبطة بالمسافة والاختلاف الثقافي، ينجح المسلمون في هذه المدينة الكندية في تحويل رمضان إلى مساحة للدفء الروحي والإنساني، حيث تلتقي القلوب حول القرآن، وتُبنى جسور الأمل والتضامن في مجتمع متعدد الثقافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks