

روكب اليوم
القاهرة- بينما كان الأطفال من حوله يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين، كان هو يحلم بأن يحمل بندقية ويصبح مقاوما في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لم يكن ذلك حلما عابرا لطفل فلسطيني ينتمي إلى الطائفة السامرية، بل خيارا مبكرا تسبب في إرباك الرواية الإسرائيلية، وكسر به نهج طائفته الصغيرة، التي آثرت عبر تاريخها الحياد حفاظا على بقائها.
كبر نادر صدقة، وتحول الحلم إلى واقع، وقاد خلية مقاومة، ثم فقد رفاقه الأربعة شهداء خلال ستة أشهر قبل أن يُعتقل، ليقضي 22 عاما في سجون الاحتلال.
في هذا الحوار، يروي الأسير المحرر في صفقة التبادل الأخيرة، والمبعد إلى مصر، رحلته من طفولة صنعتها الفكرة، إلى سجن صاغ وعيه، ثم إلى حرية لم تكتمل بعدما جاءت مثقلة بمرارة الإبعاد عن الوطن.
-
هل كان الانضمام للمقاومة بالنسبة لك موقفا سياسيا فقط، أم كان دفاعا عن تعريف هويتك كسامري من أصحاب هذه الأرض؟
هناك خلط لدى البعض، فأنا ابن الطائفة السامرية بحكم الحل الموضوعي، نشأت وترعرعت فيها، أما الانتماء فهو اختيار، وقد اخترت الانضمام إلى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” كتنظيم سياسي فلسطيني.
السؤال هنا: هل هناك فهم خاطئ لواقع الطائفة السامرية؟ الطائفة السامرية هي جزء من النسيج الفلسطيني الأصيل، والمشكلة ليست في اختلاف الدين، بل في الفهم الخاطئ لدى بعض الناس بأن الطائفة السامرية هي طائفة يهودية؛ والواقع التاريخي يؤكد أن الطائفة السامرية هي إحدى الطوائف التي تفرعت عن بني إسرائيل تاريخيا.
يكفي أن نعلم مثلا أن الكتاب المقدس لدى اليهود (التناخ) يختلف تماما؛ فما يخص السامريين هو فقط “أسفار موسى الخمسة” (التوراة السامرية)، وهم لا يعترفون بالتلمود ولا بغيره، مما يجعل الفارق بينهم وبين باقي الطوائف اليهودية فارقا شاسعا.
واليهود لا يعترفون بالسامريين كجزء متكامل من إسرائيل، والسامريون كذلك لا يعترفون بهم.
-
كيف استطاعت الطائفة السامرية الحفاظ على خصوصيتها ووجودها في فلسطين طوال هذه القرون؟
استمر وجود الطائفة القليل عدديا في فلسطين التاريخية من خلال الحفاظ على أعراف وعادات وتقاليد محافظة جدا.
هذا الاستمرار كان داخل المجتمع الفلسطيني؛ وإذا أردنا أن نرى مفارقة أخرى، فنحن نرى مكان الصلاة السامرية (الكنيس السامري) شبيهًا جدًا بالمساجد عند المسلمين في التقشف، والركوع، والسجود، والوضوء الرسمي قبل الصلاة؛ وهذا غير موجود عند اليهود المتأثرين بالمسيحية والكنائس الغربية.
العادات والتقاليد السامرية هي عادات وتقاليد عربية بحتة، والوجود الاجتماعي السامري كان دائما ضمن النسيج الطبيعي للعرب المسلمين في فلسطين. أما عدم مشاركة السامريين الواسعة في المقاومة، فيعود إلى تحفظهم تاريخيا لكونهم طائفة صغيرة جدا تخشى على وجودها من البطش الإسرائيلي؛ فبطبيعة الأقليات، هي تختار أحيانا الحياد أو التقرب من الجانب الأقوى للحفاظ على ذاتها، رغم انحيازهم للموقف الفلسطيني سياسيا وأخلاقيا.
-
لكنك كسرت هذه القاعدة وهذا الاستثناء؟
أنا كسرت هذا الاستثناء لأن سياق تربيتي ونشأتي كان مختلفا تماما عن بقية أقراني في الطائفة، فعائلتنا كانت تعيش على أطراف الحي السامري، وكنا العائلة الوحيدة التي تملك دكانا في وسط البلدة القديمة في نابلس، وطفولتي وصباي وأصدقائي كانوا جميعا في المجتمع الفلسطيني، وضمن هذه المعايشة حملت هموم وتطلعات وآمال هذا الشعب، واخترت أن أكون جزءًا من الحل.
انحيازي للقضية الفلسطينية لم يكن مجرد خيار سياسي، فالقضية بالنسبة لي لا تخضع لقوة السياسة وفن الممكن والتفاوض والمساومة والمرونة، هي أولا قضية أخلاقية وإنسانية ومبدئية.
-
خلال فترة السجن هل كان الاحتلال أكثر انزعاجا من كونك مقاوما أم من كونك سامريا اختار طريق المقاومة؟
وجودي في المقاومة أثناء فترة المطاردة كان يشكل للاحتلال حالة عدائية دموية كاملة، لكن في السجن تعاطى معي الاحتلال “كأسير أمني” بشكل كامل، هناك يهود إسرائيليون أدينوا بقضايا تجسس أو تخابر، أما أنا فتم التعاطي معي كأي أسير أمني فلسطيني، وهو ما يعني حقوقا أقل وتسلطا أكبر.
لم أشعر خلال سنوات سجني العشرين أن كوني سامريا قد غيّر من شكل تعاطي الاحتلال معي، باستثناء ما حدث خلال الحرب الأخيرة؛ حيث أصبح الاتجاه الفاشي الصهيوني أكثر جلاء ووضوحا، وصاروا يبحثون عن أي حجة لمعاقبتي والتنكيل بي في ظروف قاسية، فبدأنا نسمع منهم تعبيرات ومسميات من قبيل “خائن” أو “يهودي يكره ذاته”.
بن غفير هو واحد من أوجه الفاشية الصهيونية الأكثر غباء. الفاشية تمشي دائما في مسار أعمى ولا تتعلم من أخطائها؛ وبالنسبة لي تصاعد التطرف اليميني الفاشي الصهيوني هو أمر يكشف حقيقة الكيان الإسرائيلي أمام العالم.
طوال العقود السابقة، حاول الصهيوني تقديم قضيته على أنها قضية إنسانية وأخلاقية، لكن بعد الإبادة في غزة وتصرفات اليمين الفاشي في الضفة ولبنان والاعتداءات الإقليمية، انكشف الاحتلال أخلاقيا ومبدئيا.
واليوم أصبح من الصعب تداول سردية “الضحية”، فالاحتلال بات مجرما مشهودا على جريمته وهو يفاخر بها علنا، وما يحدث من تعذيب للأسرى وتفاخر بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بذلك يمثل الانحدار الذي يمر به هذا المجتمع.
-
هل 7 أكتوبر/تشرين الأول سبب هذه الحالة من التوحش؟ أم أنها كانت مجرد كاشف لها؟
أرفض تماما اعتبار 7 أكتوبر/تشرين الأول سببا في جعل الكيان الصهيوني أكثر وحشية، الكيان الصهيوني وحشي ومعتد طوال 8 عقود من تاريخه، فما فعله 7 أكتوبر/تشرين الأول هو أنه استفز الكيان وأشعره بمدى ضعفه وسقوط اعتماده المطلق على القوة والقاعدة العسكرية، فجرح كبرياءه في الصميم، وأسقط آخر قناع من أقنعته التي كان يغسل بها سمعته مدعيا أنه واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
حتى القوانين المتطرفة مثل “قانون إعدام الأسرى” التي يدّعون أنها جاءت بسبب 7 أكتوبر/تشرين الأول؛ هي في الحقيقة قوانين قديمة موروثة من الانتداب البريطاني، وقد طرحها بن غفير وأقرها بالقراءة الأولى عام 2018 أي قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول بسنوات، وكانت شرطا أساسيا من شروطه للدخول في الائتلاف الحكومي مع نتنياهو عام 2021.
-
بميزان الربح والخسارة هل استفادت القضية الفلسطينية من 7 أكتوبر أم خسرت؟
يعتمد ذلك على الزاوية التي تنظر منها، إذا كنت تنظر إلى الأمر بمنطق محدود كعملية هدفها الإفراج عن الأسرى مقابل هذا الكم من الضحايا، فسيراها البعض خسارة، وأنا كأسير سابق أقول إنني أفضل أن أموت عشرات المرات على أن يدفع الشعب هذا الثمن الباهظ للإفراج عني.
لكن إذا نظرت إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول كلبنة في جدار التحرر الطويل، فهي مكسب وخطوة للأمام بالأساس.
التحرير يحتاج إلى تراكم نضالي؛ ما حدث استطاع أن يصل بأداء المقاومة إلى مستوى غير مسبوق، وسيراكم عليه الشعب الفلسطيني محطات أخرى في المستقبل.
لكن مفهوم الحرية يصبح أكثر تعقيدا عندما يرتبط بمأساة وحجم دمار كالذي وصلت إليه غزة؛ الشارع الفلسطيني وحتى في غزة ليس كله على نفس القدر من التفكير أو التوافق حول ما جرى.
والاختلاف في التفكير والمشارب التقديرية هو أمر صحي وطبيعي؛ الأفكار تتلاقح وتختلف لتنتج رؤى جديدة. لكن مَن يعارض خيار المقاومة مطالبٌ بأن يقدم البديل العملي.
الناس الذين يرون أن ثمن المقاومة مكلف ومؤلم، ويظنون أن المساومة مجدية؛ عليهم أن ينظروا إلى تجربة عقود من المساومات والمفاوضات ماذا أنتجت.
-
البعض يرى أن النتيجة اليوم هي العودة للحديث عن إعادة احتلال غزة بدلا من تحريرها؟
أحيانا تُطرح الأسئلة بشكل خاطئ. اعتبار أن المقاومة هي التي استفزت الاحتلال وأدت لهذه النتائج هو طرح غير سليم؛ فالانسحاب الإسرائيلي السابق من غزة لم يكن تحريرا كاملا بل تبعه 28 عاما من الحصار الخانق برا وبحرا وجوا، والتحكم بفتات الطعام اليومي.
المشكلة الأساسية والجذرية في الحالة الفلسطينية هي وجود الاحتلال؛ هو الذي يتحمل مسؤولية جرائمه وتوحشه وتبعات عدوانه، أما التعاطي مع الاحتلال كحالة طبيعية موجودة سلفا وقبولها فهو الخطأ الأكبر.
المقاومة تسعى لدحر الاحتلال، وأي شعب تحت الاحتلال يدفع أثمانا باهظة في طريق حريته، ومن هنا يجب أن نفهم سياق 7 أكتوبر/تشرين الأول كخطوة مقاومة في مسار طويل لإنهاء الوجود الاستعماري.
المخطط الذي نُفذ بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يُوضع في ذلك اليوم أو كأثر لحظي له، بل هو مخطط موجود في أدراج وأقبية ومكاتب صنع القرار الصهيوني منذ البداية، وكانوا يبحثون فقط عن التوقيت المناسب، وقد يكون 7 أكتوبر/تشرين الأول أعطاهم هذه الفرصة، لكنني كمقاوم لا أستطيع انتظار الزمان المناسب، لأن الزمان في ظل وجود الاحتلال يمضي على حسابي دائما، ولذلك أسعى إلى الفعل.
لا بد أن ننظر إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول كنقطة مضيئة في طريق الانتصار، رغم ما يؤلمنا الآن من نتائج وحالة مركبة، وسينظر إليه التاريخ في المستقبل كفعل مقاوم ونقطة تحول مضيئة في السيرورة التاريخية للنضال الفلسطيني.
-
بالحديث عن الأسرى ومن تحرروا في صفقة 7 أكتوبر/تشرين الأول، هل تنتابك خيبة الأمل أحيانا؟
بالنسبة لي لا أستطيع أن أجادل السندان تحت المطرقة في مدى واقعية ومصداقية ما يقول، وفي النقاش مع السندان تحت المطرقة -إن صح التعبير- لا يمكن التقليل من ألمه.
لنكن واضحين؛ رغم أن معاناة الأسرى قاسية وصعبة جدا، فإن المواطن الغزي الذي لا يجد سقفا يستره لا يستطيع اليوم تفهم هذه المعاناة، لأنه يقارنها بمأساته الوجودية ومعاناته الفظيعة. أنا لا أستطيع أن أجادل السندان في مدى الوجع الذي يتعرض له من المطرقة؛ هو الذي يعاني، وأنا أتفهمه تماما ولا أستطيع نقاشه أو مجادلته سياسيا أو التنظير عليه بأن 7 أكتوبر/تشرين الأول لبنة في صرح التحرير، لأن هذه اللبنة تقع الآن على أكتاف مواطن يتحمل وزنا لا يطيقه، هو يسمع فقط صوت حاجته وضائقة بقائه اليومية ورغيف خبزه، لذلك أتفهم نظرته رغم اتفاقنا على أن المقاومة في صيرورتها التاريخية العامة هي انتصار وخطوة إيجابية للأمام.
-
22 عامًا في السجون الإسرائيلية ليست بالمدة الهينة، هل يمكنك اختصارها في كلمة أو جملة واحدة؟
على المستوى الذاتي والموضوعي، هي تجربة وعي، قادني إليها وعي معين، وتطور هذا الوعي خلالها، وخرجت منها بوعي أعمق.
أنا لم أدخل إلى السجن فزعة أو صداما عابرا، بل ذهبت إلى المقاومة ملتصقا ومقتنعا ومؤمنا؛ لقد كان هذا حلم حياتي منذ الطفولة، فالناس تحلم في طفولتها بأن يصبحوا أساتذة أو مهندسين، أما أنا فكان حلمي أن أكون مقاوما في الجبهة الشعبية.
حققت هذا الحلم وذهبت إلى السجن كخيار إرادي؛ دفنت رفاقي الشهداء واحدا تلو الآخر في الخلية التي كنت أقودها، وكنت الأخير الذي تم اعتقاله، ولم يكن لدي أي أمل في البقاء حيا. دخلت السجن بيقين أنني سأمضي فيه حياتي، وتعاطيت مع جدرانه على أن الاعتقال مهمة وعي؛ مهمة نقل الوعي للآخرين، والاستمرار في التحريض والتوعية والتنظيم، والصمود والحفاظ على ذاتك وإنسانيتك ومحتواك الأخلاقي، لأن السجن صُمم كأداة لتفريغ المناضل من وعيه الإنساني والسياسي.
-
هل مرت عليك لحظة شعرت فيها أن الأمل يغادرك في الخروج من السجن أو في انتصار القضية؟
أبدا، لم يحدث أن غادرني الأمل. أنا رفيق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أحمل إرث الحكيم جورج حبش، وأول العبارات التي ترتكز في وعيي من الحكيم هي: نضالنا طويل، قد يستمر مئة عام أو أكثر، وعلى قصيري النفس التنحي جانبا.
كنت أعلم أنه صراع طويل لا أرى في الأفق القريب نهايته، ولكني على قناعة كاملة بأن واجبي أن أكون حصوة في تراكم التحرير.
هذا يتطلب إيمانا عميقا بالنفس الطويل، لكني اليوم أشفق على الأسرى في السجون لأن المقاومة والأسرى يمرون بأصعب المراحل وأقساها، أما في عقود اعتقالي السابقة فكان لدينا دائما أمل وثقة في السواعد التي تحفر في الصخر والتراب لتحريرنا.
-
بعد خروجك من السجن، ما أكبر صدمة واجهتك على المستوى الشخصي والفلسطيني؟
الصدمة الأكبر كانت الإبعاد إلى خارج الوطن، كنا نحلم ونحن في الأسر بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول بالتحرير، وكان لدينا يقين بأننا سنخرج إلى فلسطين.
لم نتوقع حجم الوحشية وحجم الإبادة وحجم التخاذل العالمي، لأننا كنا في عزلة تامة ومنقطعين عن العالم داخل السجون، وكل الأخبار تصلنا متأخرة.
كذلك صدمتنا عقيدة الاحتلال الجديدة؛ بأن يمر عام كامل والاحتلال يبحث عن أسراه (الذين احتجزتهم المقاومة في غزة) ليقتلهم بدلا من تحريرهم، هذا كشف لنا المستوى الفاشي غير المسبوق الذي انحدر إليه المجتمع والقيادة في إسرائيل.
-
كيف تتصور شكل المقاومة اليوم بعد هذه التغيرات؟
كنت وما زلت وسأبقى أؤمن بأن كل أشكال المقاومة مشروعة ومتاحة لشعب يسعى لتحرير نفسه من الاحتلال، وهذا حق تكفله القوانين الدولية. لكنني على يقين دائم بأن المقاومة المسلحة هي تاج كل أشكال المقاومة، وهي الطريق الأقصر والأصدق والأنجع للتحرير.
-
ماذا تريد أن يفهم العالم عن فلسطين من خلال قصة نادر صدقة، السامري الذي قضى 22 عاما في سجون الاحتلال؟ هل يضايقك التركيز على هذا “الاستثناء” في هويتك؟
أنا أتفهم التركيز الإعلامي على هذه الحالة الأيقونية لكسر السردية الصهيونية وإظهار تنوع الشعب الفلسطيني، وأنا أدعم كسر هذه السردية، لكنني لا أعتبر نفسي استثناء منقطعا. أنا أقاتل في الخندق نفسه مع شعبي، لست مجرد مناصر خارجي، بل أنا ابن هذه القضية.
رسالتي للعالم ألا يركزوا فقط على التمايز الطائفي؛ الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني تستوجب من كل إنسان حر أن يتحد في مواجهتها.
الذي قاتل الاستعمار في نادر صدقة هو الإنسان، وليس المجرد الحزبي أو الطائفي. أي إنسان لا يرى في القضية الفلسطينية مظلمة تاريخية تمس إنسانيته مباشرة، لديه خلل جسيم في إنسانيته.
-
هل انتقص الإبعاد إلى مصر من حريتك المنشودة التي حلمت بها؟
في الخيال، أنا لم أخرج من فلسطين يوما؛ عالمي كله وأحلامي ومخططاتي تنعكس في ذهني بصور فلسطينية المنشأ والمحيط.
الإبعاد كان ضربة قاسية؛ لا يمكنك تخيل كيف يبدو العالم وأنت مقتلع من جذورك وبعيد عن أهلك وناسك ومحيطك الذي يفهمك وتفهمه.
لكن في الواقع، بعد 22 عاما، تغيرت فلسطين كثيرا سياسيا واجتماعيا، والصور التي حملتها في ذهني لم تعد تطابق الواقع الحالي، وهذا اصطدام حتمي مررت به.
ومن جهة أخرى، لو تحررت في الضفة الغربية لكنت اليوم تحت سيف الاعتقال أو الاغتيال أو المطاردة والتضييق، كما يحدث مع إخواني الأسرى المحررين هناك الذين تعيش حريتهم محاصرة ومنقوصة في بيوتهم.
هنا لا بد لي من ذكر كلمة حق في المنفى وهي أن المجتمع المصري والشعب المصري يمثلان حالة قريبة وممتدة بالدفء للحالة الفلسطينية، أرى الود والتضامن الصادق في عيون المصريين بشكل لا يمكن وصفه؛ يبكون لحضورنا، ويدهشون لصمودنا، ويبتهجون لتفاصيلنا البسيطة. هذا الاحتضان المصري الدافئ خفف كثيرا من قسوة المنفى وبرّد من سخونة ألم الإبعاد.
-
بجملة واحدة كيف تصف هؤلاء:
قامة وطنية يُتعلم الصمود منها.
قيمة وطنية يحتاجها الشعب الفلسطيني.
سيف عاش مُشهدًا ومات مُشهرا.
-
رفاقك في الخلية الأولى الذين رافقوك في البدايات؟
هؤلاء الرجال كانوا أصدق الناس في كل الأمور، وأتمنى أن أكون قد وفيتهم حقهم وأن أكون منصفا لهم ولتضحياتهم.