
هنا مطار بكين الدولي، “داشينغ”، السّاعة الخامسة، قُبيل غروب يوم الأربعاء 13 مايو 2026م، كانت أبراجها الشامخة وناطحات سحابها السامقة التي حدقنا فيها قبل هبوط الطائرة أول ما يستقبلنا، وفي الصّين لك أن تندهشَ قبل أن تحط رحالك، أو قل: لك أن تمارسَ اندهاشاتك المتعددة. وما راءِ كمن سَمِعَا، وليس الخبر كالمُعاينة.
وصلنا: سام الغباري، خالد عليان، صلاح القادري، ياسر المعلمي، وثابت الأحمدي، رئيس الوفد، يرافقنا صديقنا العزيز: روي وانج/ أمجد، المترجم الخاص بالسفارة الصّينية، ذو الخمسة والعشرين ربيعا، وهو من أزكى الشباب الذين عرفتهم، وتعاملت معهم، شاب يفيضُ نُبلا وأخلاقا وسُموا وذكاء.
استقبلتنا أشعةُ غروب شمس بكين الذهبية التي تمازجت مع أضواء الشوارع، فذهَّبت كل ما تحتها، لتسلمنا ــ على رواق ــ لهدوء الليل، في حضن تلك الطبيعة الرؤوم، وفي بكين، أو قل في الصّين كلها لا تدري، هل الأبراج الشاهقة والمباني العملاقة تطرز الحدائق؟ أم الحدائق تزين هذه الأبراج والمباني؟ وفي الصين، بين كل شجرة وشجرة شجرة ثالثة، وبين كل بُرج وبُرج برجٌ ثالث، وإذا قال لك أحدٌ: المكان الآخر أجمل من هذا، فإنه لا ينوي استعجالك الذهاب إليه، أو التغرير عليك، صدقه للتو، ليس أجمل من المكان الذي أنت فيه إلا المكان الذي يليك، وليس أجمل من المكان الذي يليك إلا المكان الذي بعده، وليس أجمل من هذه المدينة إلا المدينة الأخرى، وأجمل من ذلك كله أخلاق الصينيين العالية وكرمهم الباذخ. وإني لمتسائل: ماذا لو رأى شاعر شاعر الطبيعة ابن خفاجة الأندلسي الطبيعة في الصين؟
يَا أهــــلَ أنـــدلسٍ للَّهِ درُّكـــمُ ماءٌ وَظِــلٌّ وَأنهــارٌ وَأشجــارُ
مَا جنّةُ الخُلــــدِ إِلا في دياركمُ ولو تخَــيَّرتُ هَذَا كنتُ أختارُ
لا تَختَشُوا بَعدَ ذَا أن تَدخلوا سَقرًا فليسَ تُدخَلُ بعد الجنّةِ النَارُ
لو أبقى النداء مفتوحًا لكان النص هكذا: “يا أهل صينٍ”، مع الاعتذار للشاعر، وللخليل ابن أحمد الفراهيدي، لانكسار الوزن الشعري.
ولعلّ هذا الجمال الطبيعي البديع هو الذي جعل المعلم الصيني الأول “لاو تزو” في القرن السادس قبل الميلاد ينطلق في فلسفته من الطبيعة ويعود إليها. الطبيعة الركيزة الأساسية الأولى في فلسفة لاو. ولاو أستاذ كونفوشيوس الذي سنأتي على ذكره؛ لهذا لا عجب أن ترى الطبيعة غائرة في اللاوعي الجمعي والفردي للشخصية الصينية، الصّيني يستجلب الأشجار من الطبيعة ليزينَ بها مكتبه ومنزله وغرفته الخاصة.
منذ سنوات كنت قد وقفت على الفلسفة الصّينيّة باهتمامٍ كبير، قرأت ــ بشغفٍ جم ــ لاو تزو، وكونفوشيوس، ومنشيوس، وسن تزو. وقرأت عن الفلسفة الموهية، وعن الإيجنج والمستطرف الصيني.
لاو تزو روح الصّين الأول قبل تلميذه النجيب كونفوشيوس، وإن كانت شهرة تلميذه قد طغت عليه كثيرًا. ومن لم يقرأ “الطاو” لم يفهم شيئا في الكونفوشيوسية، ولا في الفلسفة الصّينيّة بشكل عام. الطاو تعني: الصراط، الطريق، النهج. بالمعنى المجازي، لا بالمعني التجريدي. من لم يعرف لاو تزو لن يعرف الصّين حتما.
كتاب “الطاو” مكثف ومختصر بعمق، كلماته القليلة تحمل المعاني الكبيرة، والسلام لروح ذلك الجندي النبيه الذي استطاع بحدسه الذكي أن يكون سببا في حفظ هذه المادة المكثفة..!
ماذا فعل ذلك الجندي المجهول؟
كان لاو تزو، الحكيم المتأمل قد قرر مغادرة المدينة، وقد ذاعت شهرته معلمًا وفيلسوفًا كبيرا؛ لكنه لم يكتب شيئا، احتجزه حارسُ حدود المدينة قائلا: لن أسمح لك بالمرور، حتى تكتبَ كل ما برأسك هنا. ففعل ذلك في غضون أيام، ثم سلمه المادة المكتوبة ورحل، وهو في آخر سنوات حياته، لتصبح تلك الورقات متنًا فلسفيًا مُلهمًا للأجيال منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.! أرأيتم؟!
ولِمَ لم يُشتهر لاو تزو على عظمته، شهرةَ تلميذه كونفوشيوس؟
سؤال مهم حقا..!
التلاميذ النجباء هم الذين يحملون أفكار معلميهم الكبار. كان لكونفوشيوس تلاميذ كثر، وزعهم على الأقاليم، فحملوا فكره، في الوقت الذي لم يكن لأستاذه لاو ذلك.
هذه حالة متكررة في محاط تاريخية علمية كثيرة، نلمحها كذلك في شهرة الإمام الأكبر “سيجموند فرويد”، سمع الناس عنه أكثر مما سعموا عن أستاذه كارل كلاوس؛ لأن فرويد استطاع خلق مدرسة نفسية وفلسفية عملاقة من بعده، وتخليق تلاميذ كثر من خلالها.
في اليمن يمثل الإمام الشوكاني حالة مشابهة، مع الفارق، سمع الناس عنه أكثر مما سمعوا عن شيخيه: المغربي والكوكباني، فعل ما فعله كونفوشيوس في الصين، وزع تلاميذه رؤساء محاكم على أنحاء اليمن في عصره..! تذكر بعض الأخبار عن كونفوشيوس أنه وليَ القضاء أيضا..!
هذا استطراد بعيد نسبيا.. نعود إلى لاو تزو.
لاو تزو دعا إلى الانسجام مع الطبيعة والعيش معها برواق، وعدم مصادمتها. هل سمعتم عن مبدأ الـ “وو ــ وي”؟ “وو وي” مبدأ اللافعل، أي: العمل المسترخي، السير مع الأحداث بحكمة. الطبيعة في أساسها حالة انسجام بين “اليان واليانغ”، الإنسان تابع للطبيعة، والطبيعة تابعة للسماء، والسماء تابعة للطاو.
يقول لاو تزو:
هنالك شيءٌ بلا شكل
موجود قبل السّماء والأرض
صامت وفارغ
قائم بنفسه لا يحول
شأنه الدوران بلا كَلَل
مؤهل لأمومة هذا العالم
لا أعرف اسمه، فأدعوه: الطاو
لا أستطيع وصفه فأقول: العظيم
عظمته امتدادٌ في المكان
الامتداد في المكان يعني امتدادًا بلا نهاية
الامتداد بلا نهاية يعني العودة إلى نقطةِ المبتدى.
الدائرة والدوائر في الثقافة الصينية ليست مجرد “علة صورية”، تكمل بقية العلل الثلاث إلى جانبها، إذا ما استعرنا المصطلح الأرسطي هنا؛ بل فلسفة كامنة في العمق النفسي منذ لاو تزو، وحتى اليوم.
مائدة الطعام تجسيد مادي لفلسفة كونية واجتماعية عميقة، في الفلسفة الطاوية الدائرة هي الرمز الأسمى للكون. خط الدائرة لا يملك بداية ولا نهاية، تماماً مثل “الطاو” الذي يتدفق في حركة أبدية ومستمرة، وداخل الدائرة، تتكامل الأضداد وفقا لفلسفة الين واليانغ.
عملية تدوير الطعام في المائدة الصينية تحمل بُعداً فلسفيًا: أنت لا تأخذ ما أمامك فقط، بل تُدور المائدة لتشارك الآخرين وتتبادل معهم العطاء، مما يجعل الحركة الدائرية تجسيدًا عملياً للتكافل والاعتماد المتبادل بين البشر، بمعنى: لا يوجد شخص يقود الجلسة، بل يقودها التناغم الجماعي.
يقول أيضا:
تدورُ الدائرة في الطاو، خلافًا للمشهود
في دوران الدوائر
فمن بدءٍ ترجع
وإلى بدء تعود
تواصل دائرة الرجوع
إلى مقام الذلة والانكسار
ترى هل تأثر الفيلسوف الإسلامي الصوفي ابن عربي بالطاوية، حين قال:
الدائرة، مطلقة، مرتبطة بالنقطة.
النقطة، مطلقة، ليست مرتبطة بالدائرة.
نقطة الدائرة، مرتبطة بالدائرة.
في كتابي الآنف الذكر فصلٌ خاص عن الطاوية الصينية والصوفية، سواء الصوفية اليهودية أم الصوفية المسيحية أم الصوفية الإسلامية، أو حتى الغنوصية العرفانية.
العقل الصيني متأملٌ دوما، يحلق في الكليات والعموميات، ولا يغرق في التفاصيل الصغيرة. إنه ــ كما قيل ــ يرى الحياة دائرة، في الوقت الذي يراها غيره خطا مستقيما.. أرأيتم؟!
هذا هو التوحيد الفلسفي الأول. الطاو في الفلسفة الصّينيّة يناظر “البراهما” في الفلسفة الهندوسية، و “الماعت” في الفلسفة المصرية، و “الداما دهاما في البوذية”، و “أهورا مزدا” في الفلسفة الزرادشتية.
شواهق الجبال.. التأمل الأول
يُقال في ممر “هوانغ غو” الجبلي، كتب لاو تزو كتابه “الطاو تي تشينغ”، وهناك جبل يحمل اسمه اليوم في مقاطعة خنان، يقولون أنه الجبل الذي عاش فيه أواخر حياته.
ويُعتبر جبل “تشينغ تشنغ” المهد الأول للفلسفة الطاوية؛ لأنَّ في مغاراته كُتبت شروح الطاو بعد وفاة لاو تزو، بعد أن مارسَ المعلمون الأوائل طقوس التأمل فيها، يعتقد الصينيون أن هذا الجبال هو أكثر أمكنة الأرض هدوءًا تحت السماء”.
في جبل موسى، أو جبل سيناء، جنوب صحراء سيناء تجلى الله لموسى لأول مرة، ولقنه الوصايا.
وفي جبل الجليل تلقى عيسى عليه السلام ما عرفت بـ “مواعظ الجبل”، بالقرب من كفر ناحوم، وتمثلُ الدستورَ الأخلاقيَّ الجامعَ لتعاليم المسيح. وإلى هذا الجبلِ كان يترددُ عيسى عليه السلام مع تلاميذه، وبحسب المعتقد المسيحي فإنه الجبل الذي صعد منه يسوع إلى الله. وفي هذا الجبل تم اتخاذ العديد من المقابر لليهود، وكذا المسيحيين وأيضا المسلمين، ومن الصحابة المسلمين الذين دفنوا هناك الصحابي سلمان الفارسي، كما بدأت رابعة العدوية الأسعدية صوفيتها هناك، وفي قمته توفيت ودفنت. إن هذا الجبل يوحّدُ أتباعَ الديانات الثلاث.
وفي جبل حراء أيضا، أو جبل النور شرقي مكة، هبطَ الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأول مرة، وأقرَأَه الآيات الأولى من سورة العلق. (اقرأ باسم ربك الذي خلق). حتى الزبور التي أنزلها الله على نبيه داود، خاطب الله الجبال: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ). أرأيتم؟!! أشرت إلى هذا في كتابي “المواطن العالمي، رؤية في المشتركات الجامعة”.
وعودة إلى لاو تزو، على الأرجح، اشتق زينون الرواقي فلسفته الرواقية في القرن الثالث قبل الميلاد، منه، ولكن بلغة يونانية، أي تم إعادة الطاوية الصّينيّة بذهنيّة يونانية غربية، كما أخذ هيجل منها قوانينه الثلاثة، المعروفة بقوانين الجدل الهيجلي التي روج لها الماركسيون الجدد من بعده. قوانين هيجل، هي لبُّ فلسفة لاو تزو، بكل وضوح. وقد فصلت هذا باستفاضة في كتاب لي سيصدر قريبا، إن شاء الله، بعنوان: “شرقية الغرب، الحكمة الشرقية في الفلسفة الغربية”.
صباح يوم الخميس 14 مايو كان أول برامجنا زيارة أطلال مصنع ضخم للحديد، يعود تاريخه إلى ما قبل مئة سنة، تم نقله في العام 2010م من وسط المدينة إلى خارجها، حفاظا على البيئة، مع الإبقاءِ على هيكله الحديدي الضخم، معلَمًا سياحيا لزوار بكين، ضمن حديقة “شوغانغ”، يرافقنا صديقنا أمجد، والإعلامية الحسناء “جاردن” والدبلوماسية المتأنقة “ليو”، والمترجم المرح المبتسم دوما: نعيم. صعدنا ما يُسمى منصة الأربعين مترا، مستشرفين المدينة كاملة، والتقطنا الصور.
بجوار هذا المَعلَمِ الضّخم بُحيرة مائية، تحفها الأشجار المتكاثفة، تحتها جراج سيارات واسع، وخلفها جبل صغير على قمته مبنى أثري وتاريخي عتيق، يلفت الأنظار بتفاصيله الجمالية. التقطنا الصور، وغادرنا نحو مركز “شيجينغشان” للابتكار والتدريب على الإدراك اللمسي، متعدد الوسائط للذكاء الاصطناعي المجسد. في هذا المركز رأينا شبابا يهرولون نحو المستقبل، لا بقدمين؛ بل يطيرون بجناحين..!
شبابٌ وشاباتٌ أغلبُهم في العشرينيات من العمر، وأقلهم في الثلاثينيات كما يبدو، يصنعون مستقبل بلادهم، ويا للدهشة البديعة من تلك التقنيات التي لم نستوعبها بعد..! لا غرابة أصلا، إنها حكمة الصين..!
قديمًا قيل: حكمة الصينيين في أيديهم، وحكمة الهنود في عقولهم، وحكمة العرب على ألسنتهم..! هل صدق المفكر غازي القصيبي حين قال: العرب ظاهرة صوتية؟! في الحقيقة لا أتفق.
هل تعلمون أن أصل فكرة الروبوتات “الميكانيكية” تعود إلى القرن الهجري السادس، كما أخبروني “عزوز” ذات يوم؟!!
من عزوز هذا؟ عبدالعزيز، ولدي 14 ربيعا، في الصف الثاني متوسطة، وقارئ نهم، ومهتم بعالم الروبوتات والذكاء الاصطناعي، لفت انتباهي قبل أسابيع لذلك العالم الكبير، ابن الجزري..!
ابن الجزري صاحب منظومة التجويد، لا علاقة له بالروبوتات يا عزوز. هكذا قلت له.
لا؛ ابن الجزري عالم عربي كبير، له عدة اختراعات علميّة، وهو من علماء القرن السادس الهجري، هكذا رد عليّ..! ويا للدهشة..! هو يعرف ابن الجزري العالم، وأنا أعرف ابن الجزري الفقيه..!
للتو تأكدت من محرك البحث جوجل، وفعلا وجدت ابن الجزري العالم، ذا الاختراعات العلميّة المتعددة الذي أسمع عنه لأول مرة. يا للعجب، هل أصبحنا جهلة أمام أبنائنا من الجيل الجديد؟ يبدو ذلك..!
المهم، هكذا وجدنا شباب وشابات الصّين في ذلك المركز العلمي متسلحين بالعلم، في الوقت الذي يتسلح شبابنا بالبنادق في الجبهات، متترسين بالجهل، يقتلُ بعضهم بعضا.
عقب انتهائنا من زيارة هذا المركز اتجهنا إلى مركز الإعلام المتكامل لمنطقة “شيجنغشان”، وهناك تداولنا الأحاديث مع المختصين عن الإعلام الجديد، وعن الصحافة الورقية التي لا تزال سارية إلى اليوم في الصين، رغم التقدم التقني الكبير. استأثر الأخ سام الغباري بالحديث مع الإخوة الصحفيين في المركز، وتصفح بعض الصحف الصينية، “لا أدري ماذا كان يقرأ فيها وهي باللغة الصينية”؟
للتو، تذكرت قصة طريفة عن “قاسم صالح”، ذي الهندام المتأنق بربطة العنق الجميلة، وهو أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، سمعتها من أحد الآباء قبل سنوات طويلة، صعد الطائرة لأول مرة، مطلع الثمانينيات، وبعد جلوسه على المقعد رأى بعض الركاب يتناولون الصحف الموجودة في مقاعد الطائرة ويقرؤون، أمسك بالصحيفة مقلوبة، يحدق فيها، محاكاة لهم، لا أكثر. رآه أحدهم، فاقترب منه، ثم قلب الصّحيفة على وضعها الصحيح بين يديه..! والوقع فإننا جميعا “قاسم صالح” أمام اللغة الصينية..!
لكن ربما كان يتأمل طبيعة الإخراج، التناسق، الألوان..إلخ. سام شعلة متوهجة من النشاط والإبداع، كان سيأتي بما لم يأتِ به الأوائل في مؤسسة الثورة، لو كان الوضع طبيعيا.
في المساء كان لنا شرف التقاء نائب رئيس الجمعية الدبلوماسيّة الصّينيّة العامة “تونج شياو لينج” التي استقبلتنا بكل حفاوةٍ وترحاب، على مأدبةِ عشاء باذخة، وكل المآدب الصّينيّة كريمة وباذخة، وحديث عن المتغيرات الدولية الجديدة، وتطلع الصّين نحو السلام، وإنهاء الحروب. الأستاذة القديرة تونج تبدو دبلوماسية خبيرة، وصاحبة تجربة عريقة، تتكلم بحكمة الصين، أهديناها تذكارًا من مبادرة الزميل خالد عليان، وودعنا بعضنا.
في معبد كونفوشيوس
كنت قد سُررتُ كثيرًا حين اطلعت على برنامج الزيارة كاملا، ورأيت منه زيارة معبد كونفوشيوس، وكونفوشيوس هو أبو الصينيين، ومعبود بعضهم المقدس..!
في الواقع لم تتأثر أمة من الأمم بزعيم فكري وفلسفي كما تأثرت أمة الصّين بزعيمهم الروحي كونفوشيوس. “كونج”، اسم لقريتِه، و “فوشيوس” صفة، وتعني “الحكيم. هكذا يُقال.
إجلال الأمم المتعاقبة له في الصّين يتعاظم جيلا بعد جيل..!
في معبد كونفوشيوس الذي يقع في قلب العاصمة بكين شعرنا بهيبة التاريخ، وعظمة ذلك الرجل، أبي الصينيين الذي يحتل عندهم ما يحتله زرادشت عند الفُرس، وموسى عند اليهود، وبوذا عند الهنود، وعيسى عند النصارى، ومحمد عند المسلمين. لكل أمة من الأمم مرجعيتها الروحية المقدسة.
شخصيا، أديت التحية لروح هذا العظيم بما يليق بمكانته، نصف انحناءة في محراب المعبد المهيب، وبطبيعة الحال لم أفعل ذلك كطقس روحي أو ديني، كما يفعل زُوار شرق آسيا؛ بل مجرد برتوكول عابر، أو على الأقل مجاملة للمضيف، هذا ما لم يرق للأخ سام، هزّ رأسه بحركة نصف دائرية سريعة، تقريعًا وتوبيخًا.
يا إلهي، في البيت معي عبدالجليل، وفي الرحلة سام الغباري، كل سكون وحركة يجب أن يُقاس إلى حكم الدين!
خالد عليان متماهٍ مع التصوير، كراهب في صومعته. شغف المهنة مسيطر عليه، وياسر يتأمل الأشجار العتيقة، وصلاح القادري مندهش، يبدو غير مستوعب تفاصيل المكان، ومعه حق.
من عظمة الكونفوشيوسية أنها صمدت أمام كل الأيديولوجيات الوافدة من خارج الصين، ولم تتأثر بها، كما هو الشأن مع بقية الأمم والشعوب. أيديولوجيتان اثنتان فقط دخلتا الصين، فأثرت فيهما الصين، وصينتهما:
البوذية قديما، والشيوعية حديثا، كلتاهما بقدر ما أثرت في الصين، بقدر ما تأثرت أيضا.
ما عدا هاتين الأيديولوجيتين لفظت كل الأيديولوجيات الأخرى الوافدة أنفاسها عند حدود الصّين، ولم تستطع العبور إذا ما استثنينا أقلية إسلامية صغيرة من الأيجور، شمال غرب البلاد. يلفت انتباهنا هنا المؤرخ الفيلسوف ول ديورانت في موسوعته التاريخية: “قصة الحضارة” بقوله عن مسلمي الصّين بأنهم ليسوا في الحقيقة صينيين؛ بل هم من أصول أجنبية، أو أبناء أجانب، فالصيني لا يُقبل بحماسة على الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، أو أي دين آخر، لأنّ هذه الأديان توعده بجنة، ضمنتها له البوذية من قبل، والذي يريده الصيني بحق هو دين يضمن له السعادة في هذه الأرض فقط.
ليس ذلك فحسب؛ الكونفوشيوسية ليست ذات طبيعة حدية في بنيتها الفكرية، وتعاطيها مع الآخر، إنها مرنة واسعة سعة الصّين نفسها، تستطيع أن تكون كونفوشيوسيا ويهوديا أو ومسيحيا أو مسلما في نفس الوقت، وهذا غير كائن مع بقية الأديان والأيديولوجيات الأخرى..!
وصل الإسلام لأول مرة إلى الصّين في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فرد إمبراطور الصين: في تعاليم كونفوشيوس ما يتطابق مع تعاليم محمد.
إلى اليوم يقدر المسلمون الموقف الحكيم من ملك الصّين “تانج” تجاه المسلمين حين جاءه فيروز بن يزدجرد الساساني يشكو المسلمين ويستنصره تجاههم، فأرسل الإمبراطور الصيني وفدا من لدنه إلى الخليفة عثمان بن عفان يستوضحه الأمر، وفعلا وصل الوفد الصيني إلى بلاط الخليفة الثالث عثمان بن عفان الذي أوضح له الحقيقة، ودعا الوفد إلى الإسلام، ثم أرسل الهدايا الثمينة إلى إمبراطور الصين. دَوّنَ الصينيون أسماء هذه الهدايا كاملة. ومن هنا نستشف الاستراتيجية السياسية الحكيمة للصين في عدم التدخل في الشؤون الخارجية لأي بلد، بأنها قديمة وعريقة، ولا تزال حاضرة إلى اليوم في الفكر السياسي الصيني.
في ذلك المعبد رأينا بقايا الأشجار القديمة التي تُعتبر مقدسة، ورأينا مجسمات كونفوشيوس، من التماثيل الحجرية، وزورًا يركعون ويسجدون أمامه، رأينا الفنون بكل أشكالها، فن المعمار، فن النقش، فن النحت، فن الكتابة، فن الألوان، أينما اتجهت فثمة فنٌّ ينطق بالعظمة والجلال من حولك.
في زاويةٍ من أحد أفنية المعبد معرض صغير لبيع التحف النادرة، اكتفيتُ منها بشراءِ قلمٍ أنيق، بـ 88 يوان، ما يعادل 44 ريالا سعوديا. وهل سأغادر معبد كونفوشيوس ولم ألتمس شيئا من روحه؟ بطبيعة الحال: لا. وها هو قلم كونفوشيوس على مكتبي، لعلي أكتسب شيئا من حكمته..!
في ذات اليوم سافرنا جوا نحو مقاطعة “يونان”، جنوب غرب الصين، وما أدراك ما يونان؟!
سِفرٌ أخضر من أسفار الطبيعة المكتنزة بالثلاثي الشهير: الماء والخضرة والوجه الحسن، ولك أن تضيف أيضا القلب الحسن، والتعامل الحسن. وفيها: لا أجمل من هذا المكان إلا الذي يليه. تنقلنا بين أكثر من مدينة داخل المقاطعة، بدونا وكأننا نقلبُ صفحاتِ سفر عظيم من أسفار الطبيعة المنظور: التاريخ العريق، الفنون المدهشة، الطقوس الدينية التي صادفنا واحدا منها تحت شجرة عتيقة، ذكر لنا أحد المتواجدين أنه لا يجوز لمسها.
كان ثمة جماعة قد أتت بديك جميل، تم ذبحه، وإراقة دمه حول “مذبح حجري” موجود سلفا، ثم صلبه على عصا غليظة مثبتة داخل خشبة كبيرة، يجرها مجموعة من الرجال والنساء، وقد اعتلى عليها كاهنهم الأكبر، بلباسه الفلوكلوري، وهم يرددون بعض الأناشيد، الزميل العزيز ياسر المعلمي ــ الذي زار الصّين أكثر من مرة قبلنا، ومستشارنا الأول ــ شاركهم طقسهم الديني، وسط ترحيب منهم، فيما اكتفينا بالمشاهدة، لنستمتع بعد ذلك بعروض فنية لمجموعة من الشابات، قد أعدت بالتنسيق مع الجهة التي استقدمتنا، تبدو محاكاة لتراث صيني قديم، لقومية “وا”، وهي أقلية صغيرة تقع في تلك المقاطعة. أكبر قومية في الصّين هي قومية “الهان” التي تزيد عن 91% من إجمالي سكان الصين.
إنها قرية “ونغدينغ” السياحيّة، التابعة لبلدية “منغجياو”، يقصدها السياح من الداخل والخارج، جمعت بين عراقة الماضي وحداثة الحاضر، بتلك البيوت الجميلة من القش، المؤثثة بأناقة ملفتة، بالجداول الصغيرة وعيون الماء التي تنبع من بين المدرجات الجبلية الزراعية، أعاد لي هذا المنظر ذكريات الماضي في ريفنا الجميل إبان الخريف، حيث الجداول والعيون المتدفقة أينما اتجهنا، خاصة وقد لفت انتباهي بعض من الحشائش النباتية الموجودة في بيئتنا الريفية في اليمن، موجودة نفسها هناك في تلك المقاطعة..! ولم نكن وحدنا بطبيعة الحال في هذا المشهد، كان ثمة سياح آخرون معنا.
ها يا صلاح، لستم وحدكم في إب، وتحديدا في “وراف” من تملكون طبيعة جميلة خلابة، شغلتم العالم بها، انظر ما عند الناس. هكذا مازحتُ الأخ صلاح القادري.
توجهنا بعد ذلك إلى قرية ريفية أخرى لا تقلُّ جمالا عن هذه، إنها قرية “بانغي”، أيضا تتبع عرقية/ قومية “وا” التي تعتقد بأسطورة تعرف باسم: “سي غانغ لي”، مفادها أنّ البشر الأوائل خرجوا من داخل “قَرَعٍ” عملاق، بعد أن نضجت هذه الثمرة، ليس البشر فحسب؛ بل حتى الحيوانات، وتُعرف هذه المنطقة إلى اليوم بأرض القَرَع. ثمة مجسّمٌ كبير للقرع، التقطنا حوله الصور الجماعية، وغادرنا.
“بانغي” هذه أجمل من أيّ مدينة من مدننا، بجمال مظهرها، وحسن تخطيطها، وجودة هوائها النقي، تتخللها عدة نزل سياحية، فردية وعائلية، وفندق كبير، بنمط ريفي، يطل على القرية كلها، بتنا فيه ليلتنا تلك، لنغادره صباحا، متجهين إلى إحدى مزارع البن الصيني، “مزرعة تشيوبو” في إحدى القمم الجبلية المرتفعة، ولم أكن أعرف قبل ذلك اليوم أنّ الصّين تزرع البن، كما لم أكن أتوقع أنه بتلك الجودة العالية.
في مطلٍّ سياحي ممتع، على تلك القمة الجبليّة المرتفعة ارتشفنا فيه كؤوس البن المنعشة، مع أعضاء الفريق الدبلوماسي والإعلامي الصيني، المرافق لنا، ولم ينسَ الزملاء أن يصطحبوا معهم عينات كهدايا للأهل؛ أمّا أنا فقد أهداني الزميل خالد عليان علبة بُن فاخرة، وعلى مزاجها كُتبت هذه المادة!! هل ستزور مزرعة بُن أخرى يا خالد؟!! خالد رجل كريم، ومُبادر، وخلوق، بسمت أمير مهذب.
عُدنا بعد ذلك إلى مزرعة شاي أخرى في منطقة أخرى، لا تقل عنها ارتفاعا، تطلُّ على نهرٍ كبير، يسمى نهر: “ميكونغ”، وهو شريانٌ مائي متدفق بغزارة، ينبع من هضبة التبت في الصين، ويمتد عابرًا حدود خمس دول أخرى في جنوب شرق آسيا: ميانمار، لاوس، تايلاند، كمبوديا، وفيتنام، في امتداد طويل، يقارب خمسة آلاف كيلو متر. وثمة جمعية أو رابطة سياسية تجمع دول النهر هذه.
في تلك المزرعة، وفي مطل سياحي آخر تناولنا كؤوس الشاي من يد فتاةٍ حسناء تعده بطريقة ملفتة، لا تمسك الكؤوس بيدها؛ بل بملاعق الخشب التي تشبه ملاعق الأكل، وبطريقة فنية عجيبة..!
أمضينا هناك ما تبقى من هذا اليوم، لنعودَ بداية الليل إلى مدينة كونمينغ، عاصمة مقاطعة يونان، عبر القطار السريع، وفيه بتنا ليلتنا بعد طول إرهاق وتنقل. والواقع أن هذه هي حالنا كل يوم، برنامج عمل مزدحم ومكثف، يزيد عن اثنتي عشرة ساعة يوميا، صُمّمَ بطريقة هندسية دقيقة، وعلى ضوئه نتحرك، كما لو أننا روبوتات..! حركة هندسية غير معهودة، لم نستطع اختلاس ساعة واحدة لممارسة أي نشاط آخر، أو التسوق..!
في اليوم التالي كانت لنا زيارة إلى المركز المقاطعي للتواصل الدولي، وهو مبنى من أفخم المباني التي رأيتها، ويطل على المدينة، وفيه تم استقبالنا بكل حفاوة، لتكونَ لنا جلسة نقاش حول الصحافة والإعلام الجديد، وطبيعة الخطاب الإعلامي؛ لنغادره في نهاية اللقاء نحو مكتب الشؤون الخارجية بالمقاطعة، وفيه استقبلتنا شخصية استثنائية، من “رجالات الدولة”، يبدو على قدرٍ كبير من الثقافة والوعي السياسي، تناولنا وجبة الغداء معا، وتحدثنا عن بعض المشتركات التاريخية والحضارية، متوجهين بعد ذلك إلى مطار كونمينغ، ومنه إلى مطار بكين الذي يعد واحدًا من أجمل وأوسع مطارات العالم، ونسيت أن أذكر في مطلع الحديث أن هذا المطار من تصميم المهندسة المعمارية العربية الراحلة زُها حديد، أميرة المنحنيات المعمارية..!
الصين واليمن.. العلاقات التاريخية والسياسية
خلال لقاءاتنا مع أغلب الجهات والشخصيات التي قابلناها تحدثنا جميعا عن العلاقات اليمنية الصينية، وبعيدا عن المجاملات الدبلوماسية فالعلاقة اليمنية الصّينيّة وراسخة وقوية، وهي من أقدم العلاقات التاريخية، منذ خط الحرير البحري الذي أنشأته الصّين في القرن السادس الميلادي، وكانت اليمن جزءًا منه، بعد أن قامت فارس بقطع خط الحرير البحري البري الذي كان يربط الصّين مع بيزنطة، فارس مشكلة قديمة حديثة للأمم والشعوب، أرأيتم؟!
تشنغ خه في عدن
في بداية القرن الخامس عشر، إبان حكم الإمبراطور الصيني “تشو دي” أرسل هذا الإمبراطور البحار المسلم “تشنغ خه”، أو حجي شمس، على رأس أضخم أسطول تجاري، تجاوزَ أكثر من مئة سفينة ضخمة، بغرض تعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية بين الصّين وقارتي آسيا وأفريقيا، فوصلَ إلى عدن سنة 1416م، وحينها قام حاكم عدن باستقباله، ثم الرد على هذه الزيارة، بإرسال بعثة إلى البلاط الصيني مع خطابٍ رسمي وهدايا ثمينة إلى إمبراطور الصّين آنذاك، ولا يزال النصب التذكاري لهذا الرحالة قائما إلى اليوم في عدن. وتُعد كشوفات هذا الرحالة الصيني البحرية من خلال رحلاته السبع سابقة لكشوفات كريستوف كولومبوس وماجلان، التي ترتب عليهما كوارث إنسانية مهولة، كاحتلال أمريكا من قبل الإسبان، واستنزاف ثروات الأفارقة من قبل البرتغال ثم بقية دول أوروبا.
العلاقات اليمنية الصّينيّة اليمنية في القرن العشرين
كانت اليمن من أوائل الدول العربية التي اعترفت بجمهورية الصّين الشعبية، في أغسطس من العام 1956م، بعد ست سنوات على قيام ثورتها الشيوعية في مطلع أكتوبر من العام 1949م، وتحديدا: ثالث دولة عربية بعد مصر وسوريا.
وفي 24 سبتمبر من نفس العام تمت إقامة علاقات دبلوماسية بين اليمن الشمالي آنذاك، وجمهورية الصّين الشعبية. وفي نهاية ديسمبر من نفس العام وقعت الصّين أول معاهدة صينية عربية مع نظام صنعاء آنذاك، عند زيارة ولي العهد البدر بن الإمام أحمد آنذاك للصين، وضمت المعاهدة اثنتي عشرة مادة، أکدت على المحافظة على السلم والصداقة والتعايش السلمي بين البلدين. وتنفيذا للمعاهدة قامت الصّين بشق وتعبيد عدد من الطرق، مثل طريق الحديدة ــ صنعاء، وطريق صنعاء – صعدة، والطريق ما بين عمران وحجة، كما أنشأت مصنع الغزل والنسيج في صنعاء.
من ناحيةٍ ثانيةٍ كانت الصّين من أوائل الدول التي اعترفت بثورةِ السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، في السادس من أكتوبر 62؛ أي بعد عشرة أيام فقط على قيام الثورة، ومن أوائل الدول التي أقامت معها علاقات دبلوماسية. كذلك الشأن مع ثورة أكتوبر 63 في الجنوب، وكانت الصّين أول دولة خارجية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، عقب الجلاء البريطاني في 67م، مباشرة.
إبّانَ حصار السبعين كانت السفارة الصّينيّة في صنعاء هي الوحيدة التي بقيت تعمل من داخل صنعاء، ولم يغادر موظفوها سفارتهم كما فعلت بقية السّفارات الأجنبية والعربية الأخرى التي غادرت صنعاء أثناء حصار السبعين نهاية العام 67م، وبداية العام 68م؛ لأن صنعاء حنيها كانت على وشك السقوط، لولا ثبات أبنائها من الشباب الجمهوريين، ليس الموظفون الدبلوماسيون فقط؛ ولكن ــ أيضًا ــ مديرو وفنيو مصنع الغزل والنسيج بصنعاء، والمهندسون والأطباء والفنيون العاملون آنذاك في مختلف القطاعات الحكومية.
وعلى ذكر هذا المصنع تجدر الإشارة إلى بنائه من قبل الصّين في العام 1961م بصنعاء، وكان أكبر مصنع للغزل والنسيج في الشرق الأوسط، كما بنت مصنعًا آخر أيضا في عدن، مطلع السبعينيات.
وفي أواخر يوليو من العام 1972م، وبحسب ما جاء في مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني أن حكومة الجمهورية العربية اليمنية آنذاك، وقعت مع الحكومة الصّينيّة اتفاقية صداقة وتعاون، تقوم بموجبها الصّين بعدد من المشاريع، قيمتها ثمانية ملايين وخمسمئة ألف جنيه إسترليني؛ أي ما يُعادل مئة وعشرة ملايين ريال يمني حينها.
ويضيف القاضي الإرياني: والمبلغ هو خمسة أضعاف ما عرضته أمريكا بعد إعادة العلاقات معها. مؤكدا بالقول: والحقيقة أنّ الصّينيين كرماء في مساعداتهم، وأوفياء في التزاماتهم.
على أية حال، المشاريع الصّينيّة في اليمن من المشاريع العملاقة التي مثلت إضافة مهمة على الصعيد التنموي والخدمي في مختلف المجالات، وتحمل الأوساط الشعبية إلى جانب الرسمية مشاعر إيجابية كبيرة عن الصّين حكومة وشعبا، نتيجة لهذا العطاء القائم على بُعد أخلاقي قبل أي بُعد سياسي آخر.
كوكب الصّين: عقل ماركس.. قلب كونفوشيوس
في الواقع الصّين ذات حضارة تاريخية عتيدة، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وتستند في ثقافتها وفكرها إلى أيديولوجيّة فلسفيّة راسخة، أساسها “طاو تي تشينغ” للمعلم الأول لاو تزو، أستاذ كونفوشيوس، كما ذكرنا آنفا. ولو جمعنا بين فلسفتي الأستاذ والتلميذ، لقلنا: إن فلسفة لاو تزو هي الروح؛ وفلسفة كونفوشيوس هي الجسد. وبهذا تكاملت المرجعيّة الأيديولوجيّة الصينيّة.
في القرنِ العشرين استوردت الصّين الأيديولوجية الشيوعية، كغيرها من الدول الماركسيّة اللينينية؛ وعلى ما في الماركسية من حدية قاطعة في التعاطي مع الآخر، إلا أنها “تَصَيّنت”، كما ذكرنا سابقا، لم تكن الشيوعية فكرة متعالية فوق واقعية، كما هو الشأن في كثير من البلدان التي استوردت هذه الأيديولوجيّة؛ لكنها كانت فكرة مثالية وواقعية معا في الصّين. لهذا نجحت الشيوعية في الصّين أكثر من نجاحها في بلد المنشأ نفسه..!
شيوعية الصّين ذات خصائص صينيّة، كما يردد الرئيس الصّيني شي جين بينغ في أغلب خطاباته وكتاباته، تجمع بين عقل ماركس الغربي، وقلب كونفوشيوس الشرقي. شيوعية استثنائية، أنقذت الصّين من كوارث إنسانية مروعة، وها هو الاقتصاد الصيني اليوم ثاني اقتصاد عالمي، وها هي الصّين اليوم ملء سمع العالم وبصره، وحديث الخاص والعام، وبالمناسبة صادفت زيارتنا مع زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للصين، وهو حدث سياسي كبير، تابَعه العالم باهتمام، لما لذلك من تأثير على السياسة وعلى الاقتصاد..!
اتفاق الصّين وأمريكا خطرٌ على الاقتصاد، واختلافهما خطر على السّياسة، ولا أظنهما يتفقان، ولا أظنهما يختلفان أيضا، في معادلة تبدو متناقضة، عصيّة على الفهم، لكن هذا هو الواقع، أو هكذا أرى.
هنا تحديدا ستصدق تلك النظرية القائلة: الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا، ودعكم من الشعب السياسي التي تمارسه الهند اليوم مع الغرب، مجرد طلاء سياسي عابر، لن يدومَ طويلا.
قبل الألفيّة الجديدة كانت الصّين تمضي نحو المستقبل بقدمين؛ أمّا اليوم فهي تطير بجناحين؛ لهذا تمثل قطبية موازية لقطبية أمريكا التي تفردت بالقرار العالمي كلية بعد سقوط المنظومة الشيوعية عام 1990م. منذ ذلك التاريخ، وحتى العام 2020م، كانت أمريكا مسيطرة كليا، اليوم ثمة تراجع، بفعل بروز قطب جديد، يعيد ضبط المعادلة السياسية المنفلتة.
لقد كانت سياسة الانفتاح على الآخر، وإدخال آليات السوق الرأسمالية أبرز ملمح إصلاحي اقتصادي سياسي، بقدر ما جمع بين النقائض شكلا، أخذ أجمل المحاسن مضمونا. وها هي مشاريع الصّين العملاقة اليوم حديث العالم، من الرقائق الإلكترونية، إلى التكنولوجيا الرقمية، إلى برامج الذكاء الاصطناعي المذهل، إلى الحزام والطريق، مشاريع عالمية عملاقة، بلغة الأرقام تتحدث عن نفسها، أنجزها الحزب الشيوعي.
الغرب متوحش بشراسة مع الأضعف منه، براجماتي مفرط في برجماتيته، خلاف الصين، على وجه التحديد، ثمة لمسة أخلاقية في التعاطي مع الآخر؛ لذا نجد الصّين قريبا منا في كثير من الأحيان. ألفتُ عناية القارئ الكريم إلى كتاب مهم للفيلسوف المصري المعاصر زكي نجيب محمود، اسمه: “الشرق الفنان” عقد مقارنة فلسفية رائعة بين طرفي: الشرق والغرب. لا أنسى أن أشير أيضًا إلى أن رواية “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم قد تمحورت حول هذه الفكرة.
القيم الصّينيّة قيم أخلاقية، إنسانية، مرتكزة على بعد خالص فلسفي خالص، أسس لها كونفوشيوس، مثل الفضيلة، الاحترام، المحافظة، الاستقامة، النزاهة، الإخلاص، الصدق، النُّبل، المحبة.. إلخ. والصيني معتز بقيمه الشرقية اعتزازًا كبيرا، وربما كان هذا هو السبب الذي لمحناه من خلال تعاملنا مع الشارع الصيني أن إجادة اللغة الإنجليزية أمر غير مهم بالنسبة للصيني، أغلب موظفي فنادق خمسة نجوم لا يجيدون اللغة الإنجليزية، العاملون في بعض المرافق السياحية كذلك. هذه ظاهرة لمسناها، ولا أظن أنها صائبة، لمكانة الإنجليزية اليوم..!
يقول الفيلسوف فولتير: “إنّ خيرَ ما يعرفه الصّينيون، وأكثر ما يغرسونه في نفوس أبنائهم، وما بلغ به ذروة الكمال هو قانونهم الأخلاقي”.
لا أدري إلى أي حد كان ول ديورانت مصيبا حين ذكر عن الصينيين أن العفّة تعد من الفضائل السامية، وأن الآباء كانوا حريصين أشد الحرص عليها في بناتهم، وقد نجحوا في غرس هذه الفضيلة في البنات، نجاحا منقطع النظير، يدل على أن البنات الصينيات كنّ في بعض الأحيان يقتلن أنفسهن إذا اعتقدن أن شرفهن قد تلوث بأن مسهن رجل مصادفة..!
أتذكر هنا ما كتبه الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة عن الصّين في القرن الثامن الهجري؛ حيث ينقل لنا صورة إيجابية عن الصينيين وأمانتهم وكذلك في إبداعاتهم الفنية، فيذكر أولا أن المسلمين في الصّين “معظمون محترمون”، وأن الصينيين أعظم الأمم إحكاما للصناعات، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه، مضيفا: ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدتُ إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق، وأنهم يقومون بحماية المسافرين وحفظ أمتعتهم وضمان نقصان أي شيء منها. وكثير من الخِلال والصفات التي ذكرها.
“كن مهذبا في مظهرك، وجادا في عملك، ومخلصا في تعاملك مع الآخرين، وهذه الصفات لا ينبغي التخلي عنها حتى لو ذهبت إلى بلاد بعيدة”. هكذا يقول كونفوشيوس.
ومن أقواله في السياسة: إذا كان الحاكم مستقيمًا في سلوكه فسيتبعه الناس دون أن يصدر أوامره، وإذا لم يكن مستقيما في سلوكه فلن يتبعه الناس حتى ولو أصدر أوامره”. هكذا يقول كونفوشيوس. أرأيتم؟!
لهذا كان الموظفون في مختلف العصور الإمبراطورية الصّينيّة يخضعون لامتحانات علمية وعملية في أكاديمية كونفوشيوس، ولا يستطيع موظف ما أن يلتحق بجهاز الدولة دون اللحاق بهذه الأكاديمية، رأينا تلك الحجرات الصغيرة داخل فناء المعبد التي كان يقيم فيها الطلبة الصينيون..!
“الإنسان النبيل يتخذ من العدل جوهرا، ومن الأدب سبيلا، ومن التواضع وسيلة، ومن الصدق غاية، إنه إنسان نبيل حقا”. وأيضا: “”لا تعامل الناس بما لا تحب أن يعاملوك”. هكذا قال كونفوشيوس، وهكذا لمحنا كل معاني النبل والتواضع والأخلاق العالية لدى رجالات الدولة الذين استقبلونا، وغمرونا بكرمهم الفياض. كنت أعتقد أن الكرم ظاهرة عربية فقط. الصينيون كرماء أيضا، ولا أعلم من هو “حاتمُهم”؟!
يفضل الصينيون الحلول السلميّة وتجنب المواجهة المباشرة، وهذا راجع إلى طبيعة مزاج الشخصية الصينية، وإلى طبيعة التراث الصيني العريق الذي توصل إلى هذه السمة، مستفيدا من أخطاء ماضيه. يقول كونفوشيوس: “الرجل النبيل يسعى إلى التوافق، أما الصغار فيسعون إلى الجدل”. كما يقول لاو تزو: “أفضل طريقة للانتصار هي عدم القتال.
مجتمع محافظ بتقاليد أبوية
المجتمع الصيني محافظ، أبوي، ذو تقاليد عائلية أبوية صارمة، لذا تلاحظ هناك الفصل في المرافق العامة بين حمامات الرجال وحمامات النساء، كما لو أنك في دولة عربية محافظة..!
أيضًا يبدو الناس في الشوارع العامة في مختلف المدن الصّينيّة رجالا ونساء كما لو أنهم عائلة واحدة منسجمة مع بعضها، ظاهرة التحرش والاعتداء على الآخر تكاد تكون منعدمة، القوانين الصّينيّة تجاه التحرش صارمة، وهي تقرر إعدام المغتصب..!
القيم في الصّين قيم جمعية، لا فردية كما في الغرب، لذا من يشذ عن الأسرة، أو الجماعة، أو الدولة يُعتبر منبوذًا من الجميع. هذا ما قالت به الفلسفة الصّينيّة القديمة، وما عززته أيضًا الشيوعيّة المعاصرة التي تقرر أن الإنسان تُرسٌ في الآلة الكبيرة، يتحرك بحركةِ بقية التروس، لا بحركته وحده، فيؤثر ويتأثر.
في الصّين يُعطى للمعلمين الكبار والأساتذة وشيوخ المدينة أيضا نظام أبوي، بوصفهم حاملي الحكمة والخبرة. وتشير الدراسات النفسية الثقافية إلى أنّ هذه القيم تُسهم في تشكيل الذات المترابطة للفرد الصّيني، حيث يتم تعريف الهوية من خلال الروابط الاجتماعية والواجبات تجاه الآخرين، وليس من خلال الاستقلالية الفردية. ومن ثم يُعَدّ احترام الكبار أحد أعمدة الاستقرار الأسري والاجتماعي، ووسيلة لحفظ الانسجام الجماعي، وتعزيز التكافل بين الأجيال.
باختصار، ثمة خمس مرجعيّات فكرية أيديولوجية للأمة الصّينيّة قديما وحديثا، تمثل عقيدتها الفكرية والثقافية: الطاوية، الكونفوشيوسية، البوذية الصينية، الشيوعية، الليبرالية الصّينيّة الحديثة، والأخيرة أضعف الحلقات الخمس، على الأرجح.
قبل أن نعودَ نحو مطار بكين الدولي قافلين، كنت قد خرجتُ بملاحظتين اثنتين، وهما ملاحظتان أوليتان، لا أدري إلى أيِّ حد أنا مصيبٌ فيهما:
الأولى: قلة المدخنين، وخاصّة بين الشباب الصّيني، أغلب المدخنين الذين رأيتهم من الكبار، لا من الشباب.
الثانية: طول الشباب أيضا وتعملقهم، قياسا إلى الكبار. الجيل الأول من كبار السن، الطول فيهم نادر، فيما الشباب الجديد ــ وخاصة من الذكور ــ الطول عليهم غالب. هل لعبت السياسة الغذائية والدوائية في الصين دورًا في ذلك؟ ربما. “، وما يجمع الكل حسن المظهر، وجمال الهندام، والاعتناء بالجسد، مجرد ملاحظة عابرة”، لا أكثر.
مرة أخرى، هنا مطار بكين الدولي، والوجهة مطار الدوحة الدولي، لنستضيفَ الصّين بين وجداننا ما تبقى من حياتنا، استضافة أبديّة، بعد أن استضافتنا أياما قلائل.. أهكذا تفعلين يا “الصين”؟!
على أية حال، الصّين من الشعوب الاستثنائية التي استطاعت أن توائم بين قيم الماضي وقيم الحاضر، لم تتنكر لماضيها، ولم تنسَ حاضرها، تماثيل الصّين بعدد الرقائق الإلكترونية، وأساطيرها الخرافية بعدد نظرياتها العلمية، وأيُّ أمةٍ بلا أساطير أساسا؟! فهل نستطيع نحن استلهام هذه التجربة والبناء عليها؟ اللهم “صَينن” قادتنا وشعبنا وبلادنا.. ونساءنا أيضًا..!