
تحولت رحلة البحث عن أسطوانة غاز منزلي في محافظة أبين من مجرد أزمة خدمات عابرة إلى طقس يومي شاق يختبر قدرة المواطن على الصمود، ويكشف في الوقت ذاته عن اختلالات عميقة في منظومة التوزيع وآليات الرقابة الحكومية التي يُفترض بها حماية القوت اليومي للأسر.
في شوارع المحافظة ومراكز التوزيع، يتكرر المشهد ذاته كل صباح: طوابير طويلة تمتد لعدة أمتار، وملامح إرهاق ترتسم على وجوه كبار السن والأطفال وهم ينتظرون وصول مادة باتت أقرب إلى العثور عليها كـ”المعجزة”. المشكلة -كما يراها الشارع الأبيني اليوم- لم تعد محصورة في نقص المادة الخام نفسها، بل في التضارب الصارخ بين التقارير الرسمية التي تؤكد تدفق الكميات المقررة، وبين الواقع الفعلي الذي يعيشه المطبخ الأبيني الخالي من الغاز.
تأتي هذه الأزمة لتراكم أعباء جديدة على كاهل أبناء المحافظة الذين أنهكتهم سنوات متطاولة من الأزمات المتشابكة. فالمواطن البسيط لا يبحث عن رفاهية ولا ينتظر خطابات طمأنة أو وعوداً موسمية لا تسمن ولا تغني من جوع؛ كل ما يطالب به هو الحصول على حق مكفول بسعر رسمي عادل، بعيداً عن دهاليز “المحسوبية” أو ضغوط “السوق السوداء” التي تستنزف ذوي الدخل المحدود.
وامتداداً لهذه المعاناة، تثار أسئلة ملحة تطالب الإدارة المحليه بفتح تحقيق إداري شفاف: أين تذهب حصة المحافظة من الغاز؟ وما المقصد الفعلي للكميات الشحيحة التي تدخل الحدود الإدارية لأبين ولا تصل إلى منازل المستحقين؟ هل الخلل يكمن في ضعف آليات التوزيع، أم في استغلال حلقة تفريغ ونقل المادة من قبل شبكات منفعة تستفيد من إبقاء الأزمة اشتعالاً؟
تضع هذه تطورات السلطة المحلية، وعلى رأسها محافظ أبين اللواء الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي، أمام اختبار حقيقي وخطير. فالشارع الأبيني الذي استقبل تعيين السلطة الجديدة بآمال معقودة على إحداث فارق ملموس وتطهير الملفات الخدمية المتراكمة، ينتظر اليوم قرارات حازمة تشمل تتبع خط سير المادة الأساسية من لحظة استلامها وحتى وصولها للمستهلك النهائي، ومحاسبة المتلاعبين دون مجاملة أو حسابات نفوذ.
إن أسطوانة الغاز قد تبدو مسألة تفصيلية في حسابات التخطيط الكلي، لكنها في الواقع المعيشي للأسر كاشف حقيقي لمستوى وجود الدولة وفاعلية أجهزتها الرقابية. فالمواطن الذي بات الحلقة الأضعف في معادلة الغلاء، لم يعد يتسع صبره لترحيل الحلول؛ بل يطالب بإجراءات ميدانية عاجلة تنهي تحكم شبكات المصالح بقمة احتياجاته الأساسية.