النجوم الميتة تحطم الكويكبات.. لكنها تعجز عن سحقها إلى غبار | علوم


روكب اليوم

في يوليو/تموز 1994، شهد الفلكيون مشهدا كونيا مروعا؛ فقد مزقت جاذبية المشتري المذنب “شوميكر-ليفي 9” إلى أكثر من 20 قطعة كبيرة، اصطدمت الواحدة تلو الأخرى بالكوكب العملاق، تاركة ندوبا داكنة في غلافه الجوي. لكن المثير أن جاذبية المشتري، رغم قوتها الهائلة، لم تستطع سحق المذنب إلى غبار ناعم، بل اكتفت بتفتيته إلى كتل كبيرة ظلت متماسكة حتى لحظة الاصطدام.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود هذه الحادثة إلى الواجهة لتساعد العلماء على فهم لغز مشابه، لكنه يحدث في بيئة أشد تطرفا، حول النجوم الميتة المعروفة بالأقزام البيضاء. فقد كشفت دراسة جديدة أن جاذبية هذه النجوم، رغم قدرتها على تمزيق الكويكبات، قد تعجز عن تحويل معظم حطامها إلى غبار دقيق، خلافا لما افترضته نماذج سابقة.

أربع قطع متقاربة من حطام المذنب شوميكر-ليفي 9، بعد أن مزقته جاذبية المشتري عام 1992 (تلسكوب هابل)

وتعيد النتائج النظر في تفسير حلقات الغبار الصخري التي تحيط ببعض الأقزام البيضاء، وتطرح سؤالا مثيرا: إذا كانت جاذبية النجوم الميتة تمزق الكويكبات إلى صخور كبيرة، فمن الذي يطحن هذه الصخور لاحقا إلى الغبار الذي ترصده التلسكوبات؟

لماذا تقاوم الصخور جاذبية النجوم الميتة؟

اعتمدت النماذج السابقة على افتراض أن الكويكبات المكونة من أكوام الركام لا تمتلك قوة داخلية تربط حبيباتها. لكن الكويكبات الحقيقية ليست مفككة تماما؛ فحتى الحبيبات الصغيرة تتجاذب بقوى ضعيفة تعرف بقوى “فان دير فالس”، وهي كافية لمنح الركام قدرا من التماسك.

وقال كبير الباحثين جوردان ستيكلوف: “لا يوجد شيء عديم التماسك تماما”، موضحا أن القوى بين الحبيبات تمنح المذنبات والكويكبات مقاومة أضعف بعشرات المرات من مقاومة الثلج الحديث للتمزق.

رسم تخيلي لحلقات الغبار الصخري التي تحيط ببعض الأقزام البيضاء (مارك غارليك، جامعة وارويك)

وأدخل الفريق هذه القوى في حسابات تفكك الكويكبات قرب الأقزام البيضاء، مع مراعاة كثافة المواد والمسافة عن النجم. وأظهرت النتائج أن معظم الكتلة تبقى في قطع يتراوح قطرها بين 100 و1000 متر، بدلا من التحول مباشرة إلى حبيبات غبار مجهرية.

وأطلق الباحثون على هذه النتيجة اسم “حاجز الكيلومتر”، في إشارة إلى الحجم الذي تحدده مقاومة الركام للتمزق بفعل الجاذبية.

مرحلة مفقودة بين التحطم والغبار

تكمن المشكلة في أن الغبار الذي يرصده الفلكيون حول الأقزام البيضاء أصغر كثيرا من هذه القطع. لذلك لا تكفي قوى المد والجزر الجاذبية وحدها لتفسير نشأة الحلقات، بل تحتاج الصخور المحطمة إلى عمليات إضافية، مثل التصادمات المتكررة أو التفكك الناتج عن دورانها السريع.

وتشير الحسابات أيضا إلى أن القطع الناتجة تحتفظ بمدارات قريبة جدا من مدار الكويكب الأصلي، مما قد يساعد على تراكمها في مناطق محددة قبل أن تبدأ مرحلة الطحن اللاحقة.

واحد وعشرون جزءا من المذنب “شوميكر-ليفي 9″، بعد تمزقه بفعل جاذبية المشتري، في صورة التقطها هابل (ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية)

وقالت الباحثة كاثرين فولك إن فهم كيفية إنتاج الحطام وتطوره حول الأقزام البيضاء ضروري لتفسير الأرصاد ومعرفة مصير الأجسام الصغيرة في الأنظمة الكوكبية المتقدمة في العمر.

ولا تقدم الدراسة رصدا مباشرا لتحطم كويكب قرب قزم أبيض، بل نموذجا فيزيائيا يحدد حدود التفكك الأولي، ويفتح الباب أمام دراسة المرحلة التي تحول الصخور الكبيرة إلى غبار.

قاد الدراسة كبير الباحثين في معهد علوم الكواكب الأمريكي جوردان ستيكلوف، بالتعاون مع الباحثة في المعهد كاثرين فولك، والباحث في جامعة وارويك البريطانية ديميتري فيراس. ونشرت في دورية “رسائل المجلة الفيزيائية الفلكية”، وأعلن المعهد نتائجها في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks