روكب اليوم
2026-10-17 17:13:00

واللافت أن لندن، التي كانت تتنافس مع نيويورك وهونغ كونغ على صدارة أسواق الطروحات العالمية، وجدت نفسها في عام 2025 خلف أسواق أصغر حجمًا، بينها سلطنة عُمان والمكسيك.
لكن هل فقدت العاصمة البريطانية مكانتها المالية فعلًا؟ أم أنها تمر بمرحلة إعادة هيكلة قد تنتهي بعودة الشركات والمستثمرين إليها؟
من 2,429 إلى 1,534 شركة.. أين اختفت 895 شركة؟
تكشف الأرقام عن تراجع هيكلي في عدد الشركات المدرجة في بورصة لندن، وليس مجرد تباطؤ مؤقت في الاكتتابات.
فقد انخفض العدد من 2,429 شركة عام 2015 إلى 1,534 شركة في مايو 2026، أي بفارق 895 شركة، وبنسبة تقترب من 37%.
ويعكس هذا التراجع مشكلة مزدوجة: شركات تغادر السوق، وأخرى جديدة لا تدخل بالسرعة الكافية لتعويضها.
وفي سوق تعتمد على التنوع والسيولة والقدرة على تمويل النمو، قد تؤدي هذه الحلقة إلى إضعاف جاذبية البورصة تدريجيًا.
لندن خلف عُمان والمكسيك.. سقوط إلى المركز 23 عالميًا
في الأشهر التسعة الأولى من 2025، هبطت بورصة لندن إلى المركز الثالث والعشرين عالميًا من حيث الأموال المجمعة عبر الاكتتابات الأولية، بعدما جمعت نحو 248 مليون دولار فقط.
وجاءت خلف أسواق من بينها سلطنة عُمان والمكسيك وسنغافورة، وفق تصنيف نقلته بلومبرغ.
وكانت تلك أضعف حصيلة للندن منذ أكثر من 35 عامًا خلال الفترة المقارنة، بانخفاض بلغ نحو 69% عن العام السابق.
لكن القصة تغيرت جزئيًا مع نهاية العام.
فخلال الربع الأخير من 2025، استعادت السوق بعض النشاط، ما ساعدها على تحسين حصيلتها السنوية بصورة ملحوظة.
نهاية 2025 .. انتعاش قوي لكنه غير كافٍ
توضح بيانات شركة EY أن بورصة لندن أنهت عام 2025 بإجمالي 23 اكتتابًا أوليًا، جمعت نحو 2.1 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بنحو 778 مليون جنيه من 18 اكتتابًا في عام 2024.
وهذا يعني أن حصيلة الأموال المجمعة ارتفعت بنسبة 170%، رغم استمرار ضعف عدد الإدراجات مقارنة بالمستويات التاريخية.
والأكثر أهمية أن نحو 1.9 مليار جنيه من حصيلة العام جاءت خلال الربع الأخير وحده، عبر 11 اكتتابًا.
بمعنى آخر، شهدت لندن تحسنًا واضحًا في نهاية العام، لكن هذا التحسن لم يكن كافيًا لإلغاء مشكلة الانكماش المستمرة في قاعدة الشركات المدرجة.
كما أن القفزة السنوية تعكس جزئيًا ضعف نقطة المقارنة في عام 2024، ولا تعني بالضرورة استعادة السوق مكانتها التاريخية.
النصف الأول من 2026.. تحسن بالأموال وتراجع بعدد الطروحات
مع بداية 2026، ظهرت إشارات تعافٍ إضافية، لكنها بقيت محدودة.
فبحسب تقرير EY-Parthenon الصادر في يوليو، سجلت بورصة لندن سبعة اكتتابات أولية خلال النصف الأول من 2026، جمعت 577 مليون جنيه إسترليني.
وهذا يمثل ارتفاعًا بنسبة 215% في الأموال المجمعة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، التي سجلت نحو 183 مليون جنيه.
لكن عدد الاكتتابات انخفض من تسعة إلى سبعة، ما يشير إلى أن التحسن جاء من قيمة الصفقات، وليس من زيادة عدد الشركات الجديدة.
والأكثر إثارة أن الربع الثاني من 2026 استحوذ وحده على 564 مليون جنيه من الحصيلة، عبر خمسة اكتتابات، ما يعكس اعتماد التعافي على عدد محدود من الصفقات.
أحدث الأرقام.. اكتتاب واحد فقط في ثلاثة أشهر
لكن أحدث البيانات، الصادرة في 15 أكتوبر 2026، تكشف أن التعافي لم يكن مستقرًا.
فقد شهد الربع الثالث من العام اكتتابًا واحدًا فقط في بورصة لندن، وهو أضعف نشاط فصلي منذ الربع الأخير من 2023.
وجمع الاكتتاب نحو 29.8 مليون جنيه إسترليني، لترتفع حصيلة الأشهر التسعة الأولى من 2026 إلى 606.9 مليون جنيه عبر ثمانية اكتتابات.
ورغم أن الأموال المجمعة زادت بنسبة 204% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق وفق منهجية EY، فإن عدد الإدراجات ظل منخفضًا بصورة لافتة.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: لندن قادرة على جذب صفقات كبيرة بين الحين والآخر، لكنها لم تستعد بعد تدفقًا مستمرًا للشركات الجديدة.
لماذا تختار الشركات نيويورك بدلًا من لندن؟
لا يتعلق الأمر بمكان قرع جرس التداول، بل بالمبلغ الذي تستطيع الشركة جمعه، والتقييم الذي يمنحه المستثمرون لأعمالها، والسيولة المتاحة لتداول أسهمها.
تتمتع الأسواق الأميركية بقاعدة ضخمة من المستثمرين المؤسسيين وصناديق الاستثمار، فضلًا عن حضور قوي لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقد جمعت الاكتتابات الأميركية 45.5 مليار دولار خلال عام 2025، وفق EY، ما يعكس الفارق الكبير في حجم السوق مقارنة بلندن.
وتبرز ثلاثة عوامل رئيسية وراء جاذبية نيويورك.
أولها عمق السيولة، إذ يسهل حجم التداولات الكبير على المستثمرين شراء حصص ضخمة وبيعها.
وثانيها التقييمات، حيث قد تحصل بعض الشركات، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والنمو، على مضاعفات تقييم أعلى من نظيراتها في الأسواق البريطانية.
أما الثالث فهو الوصول إلى المستثمرين العالميين، خاصة الصناديق الأميركية التي تركز على الشركات الكبرى والقطاعات سريعة النمو.
لكن الإدراج الأميركي ليس ضمانة للحصول على تقييم أعلى؛ فالنتيجة تعتمد على القطاع وأداء الشركة وتوقيت الطرح.
من ARM إلى Flutter.. شركات بريطانية تختار السوق الأميركية
أما شركة Flutter Entertainment فألغت إدراجها الثانوي في لندن بدءاً من 3 أغسطس 2026، وأبقت إدراجها في بورصة نيويورك فقط، بعدما أشارت إلى ضعف التداول في أسهمها بلندن والتكاليف الإضافية للاحتفاظ بإدراج مزدوج.
وتكشف هذه الحالات أن بعض الشركات البريطانية لم تعد ترى في الإدراج المحلي الخيار الطبيعي، بل أصبحت تقارن بين الأسواق على أساس تكلفة رأس المال والسيولة والفرص الاستثمارية.
غير أن انتقال الإدراج لا يعني بالضرورة نقل المقر الرئيسي أو الوظائف أو العمليات التشغيلية خارج بريطانيا.
الاستحواذات.. السبب الآخر لاختفاء الشركات
ليست نيويورك وحدها المسؤولة عن تقلص عدد الشركات المدرجة في لندن.
فالتقييمات المنخفضة نسبيًا لبعض الأسهم البريطانية جعلت شركاتها أهدافًا محتملة للاستحواذ من قبل مستثمرين دوليين وصناديق ملكية خاصة.
وعندما تستحوذ جهة على شركة مدرجة وتحوّلها إلى ملكية خاصة، تختفي الشركة من قوائم البورصة حتى لو بقيت عملياتها داخل بريطانيا.
ويشير تقرير برلماني بريطاني صدر في 2026 إلى أن عدد الشركات في سوق AIM، المخصصة للشركات الأصغر والنامية، انخفض بأكثر من ألف شركة منذ 2007، ليصل إلى 634 شركة في نوفمبر 2025.
وهذا يوضح أن التراجع لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يمتد إلى البيئة التي يفترض أن تساعد الشركات الناشئة على جمع التمويل والتوسع.
هل تنجح بريطانيا في إنقاذ بورصتها؟
تدرك السلطات البريطانية أن استمرار انكماش سوق الأسهم قد ينعكس على قدرة الشركات المحلية على تمويل نموها.
ولهذا بدأت سلسلة إصلاحات تستهدف تخفيف متطلبات الإدراج، وتقليص تكاليف الطروحات، وزيادة جاذبية السوق للمستثمرين.
وفي أغسطس 2026، أعلنت هيئة السلوك المالي البريطانية FCA تبسيط بعض قواعد الاكتتابات، بهدف خفض التكاليف والمخاطر التنفيذية وتسهيل وصول الشركات إلى أسواق رأس المال.
كما تضمنت الإجراءات الحكومية إعفاءً من ضريبة الدمغة على بعض عمليات نقل الأسهم الجديدة لمدة ثلاث سنوات للشركات المؤهلة للإدراج، في محاولة لتحفيز الطروحات.
لكن نجاح هذه الإصلاحات لا يتوقف على القواعد التنظيمية وحدها.
فبورصة لندن تحتاج أيضًا إلى قاعدة أوسع من المستثمرين المحليين، وتدفقات مستمرة نحو الأسهم البريطانية، وقدرة أكبر على جذب الشركات ذات النمو المرتفع.
وهذا يفسر تحذيرًا حديثًا من مجموعة عمل أسواق رأس المال البريطانية من خطر تحول البلاد إلى مركز لتأسيس الشركات وتنميتها، قبل أن تختار تلك الشركات أسواقًا أجنبية لتمويل مراحل نموها اللاحقة.
هل تفقد لندن لقب عاصمة المال؟
من المبكر القول إن لندن فقدت مكانتها بوصفها أحد أهم المراكز المالية العالمية.
فالعاصمة البريطانية لا تزال مركزًا رئيسيًا لإدارة الأصول والخدمات المصرفية والتأمين وتداول العملات والتمويل الدولي.
لكن قوتها في هذه الأنشطة لا تعني بالضرورة استمرار تفوقها في الاكتتابات الأولية.
بل إن بيانات EY تشير إلى أن لندن كانت من الأسواق الكبرى في جمع التمويل عبر إصدارات الأسهم عمومًا خلال 2025، رغم ضعف الاكتتابات الجديدة. والفرق مهم: فقد تتمكن الشركات المدرجة بالفعل من جمع مليارات الجنيهات، بينما تتردد الشركات الجديدة في دخول السوق.
وهنا تكمن المفارقة.
فبورصة لندن لا تعاني من اختفاء رأس المال بالكامل، وإنما من تراجع قدرتها على جذب شركات جديدة والاحتفاظ بعدد كافٍ من الشركات المدرجة.
والسؤال الذي سيحدد مستقبلها ليس فقط كم مليار جنيه تستطيع جمعه في اكتتاب كبير، بل كم شركة ستختار لندن عندما تقرر دخول البورصة للمرة الأولى.
فإذا استمر تراجع عدد الشركات، قد تتحول لندن تدريجيًا من سوق تستقطب الشركات العالمية الباحثة عن النمو إلى سوق تعتمد بدرجة أكبر على شركاتها التاريخية.
أما إذا نجحت الإصلاحات في جذب إدراجات جديدة واستعادة ثقة المستثمرين، فقد تبدأ في عكس الاتجاه الذي أفقدها نحو 900 شركة خلال عقد.
إذاً، لندن لم تفقد مكانتها المالية، لكنها تواجه اختبارًا حقيقيًا في أحد أهم مصادر قوتها التاريخية: قدرتها على جذب الشركات إلى سوق الأسهم.