داخل كليفلاند كلينك أبوظبي.. كيف يتغيّر علم علاج السرطان؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2025-12-20 14:21:00

1686242

داخل مركز فاطمة بنت مبارك للأورام في «كليفلاند كلينك أبوظبي»، تتشكل اليوم مقاربة مختلفة لعلاج السرطان، تقوم على الدمج بين العمل الطبي متعدد التخصصات، والتقنيات المتقدمة، ورعاية طويلة الأمد ترافق المريض قبل العلاج وأثناءه وبعده، هذا النموذج، الذي تطور خلال السنوات الأخيرة، يهدف إلى نقل علاج السرطان من إطار التدخلات المنفصلة إلى منظومة متكاملة تُقدَّم محلياً داخل دولة الإمارات.

منشأة صُممت لاحتياجات المنطقة

قال ستيفن غروبماير، رئيس معهد، جراحة الثدي، معهد الأورام في «كليفلاند كلينك أبوظبي»، لـCNN الاقتصادية إن العمل على إنشاء مركز فاطمة بنت مبارك للأورام بدأ عام 2019، وتم افتتاحه قبل نحو عامين ونصف العام، مشيراً إلى أن المركز صُمم منذ البداية ليكون مخصصاً بالكامل لعلاج السرطان وفق نهج متعدد التخصصات.

وأوضح أن الهدف لم يكن إنشاء منشأة حديثة من حيث المباني والتجهيزات فقط، بل بناء بيئة علاجية تراعي احتياجات المرضى في الإمارات والمنطقة، سواء من حيث طبيعة الحالات أو التجربة العلاجية نفسها.

وأضاف أن المركز استقطب كفاءات طبية من مراكز عالمية، بالتوازي مع توفير تقنيات تشخيص وعلاج متقدمة، ضمن بيئة آمنة ومريحة للمرضى.

من التشخيص إلى الخطة العلاجية

وأشار غروبماير إلى أن نقطة الانطلاق في علاج السرطان داخل المركز تبدأ بدقة التشخيص وتحديد مرحلة المرض بشكل صحيح، وهو ما يشكّل الأساس لبناء خطة علاجية فعّالة.

وقال إن الفرق الطبية تعمل معاً منذ المراحل الأولى لوضع خطة مخصصة لكل مريض، مؤكداً أن هذه الخطوات تتم داخل المركز نفسه دون الحاجة لإحالة المريض إلى جهات متعددة.

وأضاف أن هذا النهج يختصر الوقت، ويمنح المريض رؤية واضحة لمسار العلاج منذ البداية، بدلاً من الانتقال بين اختصاصات منفصلة قد تؤخر اتخاذ القرار العلاجي.

فرق متخصصة بحسب نوع الورم

وأوضح غروبماير أن المركز يعتمد على فرق متخصصة تغطي 11 مجموعة مرضية مختلفة، من بينها سرطانات الرئة، القولون والمستقيم، وأورام النساء، ولفت إلى أن المريض قد يلتقي أكثر من طبيب في اليوم نفسه، لأن معظم حالات السرطان تتطلب تدخل اختصاصات متعددة.

وبيّن أن هذا التنظيم يسمح بتبادل الخبرات بين الأطباء، ويقلل من التباين في القرارات، خصوصاً في الحالات المعقدة التي تحتاج إلى تقييم شامل.

مجالس الأورام وتوحيد القرار الطبي

وفي السياق نفسه، قال غروبماير إن المركز يعقد اجتماعات أسبوعية لما يُعرف بمجالس الأورام، حيث تُناقش كل حالة جديدة ضمن الفريق المختص. وأوضح أن المريض لا يحصل بذلك على رأي طبيب واحد أو اثنين، بل على توصيات فريق كامل من الأطباء، ما يوفّر مراجعة متبادلة ويعزز جودة القرار العلاجي.

العلاج بالأيونات الثقيلة.. الجيل الأحدث من الإشعاع

ومن بين أبرز التطورات التي يعمل عليها المركز حالياً، أشار غروبماير إلى المضي قدماً في إنشاء منشأة متخصصة للعلاج بالأيونات الثقيلة داخل مركز فاطمة بنت مبارك.

وقال إن هذه التقنية تمثل الجيل الأحدث من العلاج الإشعاعي، وإن منشأة أبوظبي ستكون الخامسة عشرة من نوعها على مستوى العالم.

وأوضح أن ما يميز هذا النوع من العلاج هو الدقة العالية والفاعلية الأكبر مقارنة بأنواع الإشعاع التقليدية، ما يجعله جزءاً مهماً من خطط علاج تشمل الجراحة والعلاج الدوائي والإشعاعي معاً.

وأضاف أن توفير هذه التقنية محلياً يتيح للمرضى الوصول إلى أحدث أساليب العلاج دون الحاجة للسفر.

الذكاء الاصطناعي في التشخيص والكشف المبكر

وتحدث غروبماير عن الدور المتزايد للتكنولوجيا في رعاية السرطان، مشيراً إلى أن المركز بدأ دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، وقال إن هذه الأنظمة تُستخدم لمساعدة اختصاصيي الأشعة أثناء قراءة الصور الطبية، بهدف تحسين دقة التشخيص واكتشاف الأورام في مراحل مبكرة.

كما أوضح أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم في فحوص تنظير القولون كأداة إضافية لرصد الآفات ما قبل السرطانية، ما يسمح بالتدخل المبكر ومنع تطورها إلى سرطان.

العلاج الإشعاعي التكيفي

وفي قسم علاج الأورام بالإشعاع، أشار غروبماير إلى اعتماد ما يُعرف بالعلاج الإشعاعي التكيفي، حيث تُعاد صياغة خطة العلاج يومياً باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إن هذا الأسلوب يجعل الإشعاع أكثر دقة وفعالية، ويساعد في تقليل الآثار الجانبية المصاحبة للعلاج.

ما بعد العلاج.. برنامج «الحياة الممتدة»

ومع تحسن نتائج العلاج وارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة، قال غروبماير إن المركز طوّر برنامج «الحياة الممتدة» لمواصلة رعاية المرضى بعد انتهاء العلاج.

وأضاف أن البرنامج يركز على نمط الحياة، والتغذية، والنشاط البدني، وإدارة الوزن، والدعم الاجتماعي، بهدف تحسين جودة حياة المرضى على المدى الطويل، وليس الاكتفاء بمرحلة العلاج الطبي فقط.

الابتكار والطب الدقيق

وأكد غروبماير أن بيئة الابتكار في أبوظبي لعبت دوراً محورياً في تطوير خدمات المركز، بفضل التعاون مع دائرة الصحة والجهات الحكومية.

ولفت إلى «مشروع الجينوم الإماراتي» كمثال على هذا التعاون، مشيراً إلى أن المشروع أتاح إدخال الرعاية القائمة على البيانات الجينية إلى الممارسة السريرية اليومية، ما يدعم التوجه نحو الطب الدقيق وتخصيص العلاج لكل مريض.

التمريض في قلب رحلة المريض

من جهتها، قالت كاثرين توماس، مساعدة مدير التمريض في قسم الأورام في «كليفلاند كلينك أبوظبي»، إن الطاقم التمريضي يلعب دوراً محورياً في رحلة علاج مرضى السرطان، خصوصاً في مركز الحقن الوريدي.

وأوضحت أن المرضى يزورون المركز بشكل متكرر ويتلقون أدوية قد تكون ذات سمّية، ما يتطلب تقييماً دقيقاً ومتابعة مستمرة قبل كل جلسة علاج.

وأضافت أن الممرضين يتحملون مسؤولية كبيرة في مراجعة الفحوص، مراقبة الآثار الجانبية، وتثقيف المرضى، إلى جانب التدريب المستمر على الأدوية الجديدة بالتعاون مع الأطباء والصيادلة، وهو ما ينعكس على ثقة المرضى وسلاسة تجربتهم العلاجية.

الدعم النفسي ومجموعات المرضى

وأشارت توماس إلى أن المركز يعتمد فلسفة «المريض أولاً»، بما يشمل توفير مجموعات دعم تتيح للمرضى التواصل مع آخرين يمرون بتجارب مشابهة، وقالت إن هذه الخطوة جاءت استجابة لاحتياجات عبّر عنها المرضى أنفسهم، وأسهمت في تخفيف الضغط النفسي وتعزيز الشعور بالدعم خلال رحلة العلاج.

وربط غروبماير هذا التطور بأثر اقتصادي أوسع، موضحاً أن المرضى في الإمارات ودول المنطقة اعتادوا سابقاً السفر إلى أوروبا أو الولايات المتحدة للحصول على رعاية معقدة، وقال إن توفير علاج متقدم محلياً يقلل التكاليف ويتيح بدء العلاج بشكل أسرع، كما يسهم في نمو السياحة العلاجية مع تزايد أعداد المرضى الدوليين القادمين إلى الدولة.

وأضاف أن تصميم المركز أخذ في الاعتبار آراء المرضى وعائلاتهم في المنطقة، ما جعل تجربة العلاج أقرب إلى بيئة المريض اليومية، وهو عامل يخفف التوتر ويساعد، بحسب تقدير الفريق الطبي، على تحسين نتائج العلاج.

من خلال هذا التكامل بين الفرق الطبية المتخصصة، التقنيات المتقدمة، والدعم التمريضي المستمر، يقدّم مركز فاطمة بنت مبارك للأورام في «كليفلاند كلينك أبوظبي» نموذجاً متطوراً لرعاية السرطان يمتد من التشخيص الدقيق إلى المتابعة بعد التعافي.

ومع إدخال تقنيات مثل العلاج بالأيونات الثقيلة والطب الجيني، تواصل أبوظبي ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للرعاية المتقدمة وتطوير الجيل المقبل من علاجات السرطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks