عصر المنصات يبدأ الآن.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي والفيديو قواعد صناعة الأخبار في 2026؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-16 18:56:00

1699087

لم تعد المنافسة الرئيسية لوسائل الإعلام التقليدية تدور بين القنوات التلفزيونية أو المواقع الإخبارية كما كان الحال قبل عقد من الزمن، بل أصبحت تدور داخل تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات الفيديو ومحركات الذكاء الاصطناعي.
فبحسب Digital News Report 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، وصلت صناعة الأخبار إلى نقطة تحول تاريخية؛ إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والفيديو المصدر الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار عالمياً لأول مرة، متجاوزة التلفزيون والمواقع الإخبارية التقليدية.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد تغيير في عادات الاستهلاك، بل تشير إلى إعادة تشكيل كاملة لسلسلة القيمة الإعلامية: من يملك الجمهور؟ ومن يسيطر على التوزيع؟ ومن يحدد ما يراه المستخدم أولاً؟

المنصات أصبحت «البوابة الرئيسية» للأخبار

للمرة الأولى، قال 54% من المشاركين إنهم يصلون إلى الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي والفيديو، مقارنة بـ52% للتلفزيون و51% فقط للمواقع والتطبيقات الإخبارية، وإذا أضيفت روبوتات الذكاء الاصطناعي إلى المعادلة ترتفع النسبة إلى 56%.

التحول هنا لا يتعلق فقط بمكان مشاهدة الأخبار، بل بمن يتحكم في اكتشافها.

فعلى مدار عقود كانت المؤسسات الإعلامية تمتلك «الواجهة الأمامية» مع الجمهور عبر الصحف والقنوات والمواقع، أما اليوم فأصبحت شركات التكنولوجيا هي التي تتحكم في نقطة الدخول الأولى للمستخدم، بينما تتحول المؤسسات الإعلامية تدريجياً إلى مزودي محتوى داخل منظومات تملكها شركات أخرى.

وهذا يفسر لماذا لم يعد امتلاك موقع إلكتروني قوي أو قناة تلفزيونية ناجحة كافياً لضمان الوصول إلى الجمهور.

الفيديو في مواجهة النص

أحد أهم استنتاجات التقرير أن معركة الأخبار أصبحت معركة فيديو بالدرجة الأولى.

فنحو 77% من المستخدمين يشاهدون فيديوهات إخبارية عبر الإنترنت أسبوعياً، بينما تواصل معدلات مشاهدة الأخبار التلفزيونية التقليدية التراجع في معظم الأسواق.

لكن المفارقة أن المستفيد الأكبر من هذا التحول ليس المؤسسات الإعلامية نفسها، بل المنصات.

فالمستخدم يشاهد الأخبار عبر: يوتيوب وإنستغرام وتيك توك وواتساب وتطبيقات التلفزيون الذكي أكثر بكثير من مشاهدتها عبر مواقع المؤسسات الإعلامية.

ويعني ذلك أن مستقبل الأخبار لن يكون في إنتاج الفيديو فقط، بل في إنتاجه وفق قواعد المنصات نفسها: قصير، عمودي، سريع، وقابل للمشاركة.

الشباب لا يدخلون المواقع الإخبارية

يكشف التقرير عن فجوة متزايدة بين الأجيال.

فبين من هم دون 35 عاماً:

%43 يعتبرون وسائل التواصل الاجتماعي بوابتهم الرئيسية للأخبار.

%22 يعتمدون على البحث.

%15 فقط يدخلون مباشرة إلى المواقع الإخبارية.

بينما لدى الفئات الأكبر سناً لا تزال المواقع المباشرة والتلفزيون يحافظان على حضور أقوى، بحسب بيانات التقرير المرفقة.

هذا يعني أن الأجيال الجديدة لم تطور أصلاً عادة زيارة المواقع الإخبارية كما فعلت الأجيال السابقة.

وبالتالي فإن أزمة الترافيك التي تعاني منها المؤسسات الإعلامية ليست أزمة مؤقتة، بل تحول سلوكي طويل المدى.

الذكاء الاصطناعي.. البوابة الجديدة للأخبار

ربما يكون التطور الأكثر أهمية في التقرير هو ظهور الذكاء الاصطناعي كلاعب جديد في توزيع الأخبار.

فـ10% من المستخدمين عالمياً يعتمدون بالفعل على روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار، بينما ترتفع النسبة إلى 16% بين من هم دون 35 عاماً.

ويستخدم الجمهور هذه الأدوات من أجل: تلخيص الأخبار وشرح الخلفيات والمقارنة بين الروايات المختلفة وطرح أسئلة متابعة، بمعنى آخر، لم يعد المستخدم يبحث فقط عن الخبر، بل يريد من الذكاء الاصطناعي تفسيره أيضاً.

وهنا تواجه المؤسسات الإعلامية تحدياً جديداً: كيف تضمن ظهور علامتها التجارية داخل إجابات الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن تتحول إلى مصدر غير مرئي خلف الكواليس؟

أزمة الثقة تتعمق

رغم وفرة المعلومات، فإن الثقة في الأخبار وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ بدء قياسها قبل أكثر من عقد.

فقط 37% من المشاركين عالمياً قالوا إنهم يثقون في معظم الأخبار معظم الوقت، بينما ارتفعت المخاوف من المعلومات المضللة إلى مستويات قياسية.

وهنا تظهر مفارقة لافتة، الجمهور ينتقل أكثر فأكثر إلى المنصات الاجتماعية ومنصات الفيديو، لكنه في الوقت نفسه يعتبرها أقل موثوقية من المؤسسات الإعلامية التقليدية.

بمعنى أن معركة السنوات القادمة لن تكون على الوصول فقط، بل على المصداقية أيضاً.

اقتصاد الأخبار يواجه أزمة مزدوجة

إذا كانت المنصات تستحوذ على الجمهور، فإنها تستحوذ أيضاً على الجزء الأكبر من عائدات الإعلانات.

وفي الوقت نفسه، لا يزال عدد محدود فقط مستعداً للدفع مقابل الأخبار.

فقط 17% من المستخدمين في الأسواق التي شملها التقرير يدفعون مقابل المحتوى الإخباري الرقمي.

وهذا يضع المؤسسات الإعلامية أمام معادلة صعبة: جمهور أقل ولاءً للمواقع، وإيرادات إعلانية تنتقل إلى المنصات واشتراكات تنمو ببطء ومنافسة متزايدة من الذكاء الاصطناعي وصناع المحتوى المستقلين.

صناع المحتوى لم يعودوا مجرد مؤثرين

التقرير يظهر أيضاً أن نحو 46% من الجمهور يحصلون على الأخبار من صناع محتوى بشكل أو بآخر، بينما يعتمد 27% على صناع محتوى متخصصين في الأخبار.

ورغم أن الجمهور لا يعتبرهم أكثر موثوقية من المؤسسات الإعلامية، فإنه يجدهم:

أبسط وأسرع وأكثر قرباً من الناس وقدرة على الشرح.

ولهذا تتجه مؤسسات إعلامية عالمية متزايدة إلى بناء فرق تعتمد على شخصيات صحفية معروفة بدلاً من الاكتفاء بالعلامة التجارية للمؤسسة نفسها.

ماذا يعني ذلك لمستقبل الإعلام؟

تكشف بيانات 2026 أن السؤال لم يعد: «هل ستؤثر المنصات والذكاء الاصطناعي على الإعلام؟».

بل أصبح: «كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية البقاء مؤثرة داخل عالم لا تملك فيه التوزيع؟».

والإجابة التي يطرحها التقرير واضحة:

المؤسسة الإعلامية الرابحة مستقبلاً لن تكون مجرد قناة تلفزيونية أو موقعاً إخبارياً، بل علامة ثقة متعددة المنصات: قوية في الفيديو، وحاضرة على السوشيال ميديا وقابلة للاكتشاف عبر الذكاء الاصطناعي وموثوقة في التغطيات المتعمقة، وقادرة على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور خارج خوارزميات المنصات.

في النهاية، يبدو أن صناعة الأخبار لا تواجه أزمة جمهور بقدر ما تواجه أزمة انتقال تاريخية؛ فالجمهور ما زال يستهلك الأخبار بكثافة، لكنه يفعل ذلك اليوم عبر بوابات جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks