


روكب اليوم
الخليل/ مسافر يطا- لم تكن المسنة الفلسطينية سهيلة حمامدة، التي عاشت عقودا في خربة التبان بمسافر يطا جنوب الخليل في الضفة الغربية، تتخيل أن يأتي يوم تغسل فيه ثياب أحفادها بيديها وتنشرها في العراء، بعدما طمرت جرافات الاحتلال غسالتها تحت التراب.
جلست الحاجة السبعينية سهيلة بين أنقاض منزلها وخيام مؤقتة، تستعيد تفاصيل حياة لم يمض على انتهائها سوى أيام؛ حياة تحولت فجأة إلى ركام وحديد محروق، بعدما هدمت جرافات الاحتلال يوم 2 سبتمبر/أيلول الجاري، جميع منازل ومنشآت الخربة، وشرّدت نحو 70 فردا من 12 عائلة، بينهم 28 طفلا.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listبعد الهدم الذي محا التجمع السكاني عن الخريطة، عاد الأهالي إلى المكان ذاته الذي أُخرجوا منه، وأقاموا مأوى مؤقتا بألواح الزينكو (الصفيح) والعرائش فوق أنقاض منازلهم.
لكن ذلك لم يعنِ استعادة الحياة؛ فالنساء وجدن أنفسهن أمام مهمة إعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية من الصفر، في مكان غابت عنه أبسط مقومات المعيشة، من الماء والمأوى إلى الخصوصية والأمان، بينما يتولى معظمهن رعاية الأطفال ومحاولة حمايتهم من الخوف والحرارة ومشهد الخراب المحيط بهم.
حياة في العراء
تقول سهيلة للجزيرة نت، إن أغراض النساء وأثاثهن باتت ملقاة في العراء أو محشورة داخل عربات مجرورة، بعدما فُقد كثير من المتاع تحت الركام ولم يتمكنوا من إخراجه. وتضيف أن أبسط الاحتياجات اليومية أصبحت مهمة شاقة؛ فالغسالات التي كانت تخفف عنهن أعباء العمل المنزلي دُمرت وطمرت، لتعود النساء إلى غسل الملابس وتجفيفها يدويا.
ولم تسلم خزانات المياه والغرف من التخريب، بينما وجد الأطفال أنفسهم مضطرين للنوم داخل المقطورات الحديدية أو وسط الطين والخراب. وترى سهيلة أن الاحتلال لا يستهدف هدم المنازل فحسب، بل مقومات الحياة نفسها، بهدف دفع السكان للرحيل والتشرد.
وامتد الضرر كذلك إلى الثروة الحيوانية؛ فقد هُدمت حظائر الأغنام، وتوقف إنتاج الحليب الذي كانت النساء يعتمدن عليه في تدبير شؤون أسرهن، كما اضطرت العائلات للعودة إلى وسائل بدائية لإعداد الطعام، مثل خبز الصاج، بعد تدمير الطوابين.
كما أن النساء -بحسب سهيلة- وجدن أنفسهن أمام أعباء إضافية في ظل فقدان الأدوات والمرافق التي كانت تعتمد عليها حياتهن اليومية، في حين لم يعد أمام العائلات سوى تدبير شؤونها بما يتوفر حولها.
تضامن على وقع الألم
وإذا كانت شهادة سهيلة تكشف حجم الانهيار الذي أصاب أدق تفاصيل العيش، فإن سعاد عبيد، التي تعيل أسرة من 15 فردا، تتحدث عن الوجه الآخر للهدم؛ الأثر النفسي والجسدي الذي تركه على الأطفال الذين تتولى النساء رعايتهم في العراء.
وتروي للجزيرة نت، أن الأسبوع الذي شهد تدمير خربة التبان بالكامل كان من أصعب الفترات التي مرت بها العائلات، مشيرة إلى أن غالبية أفراد أسرتها من الأطفال الذين أصيبوا بحالة ذعر شديد جراء اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ وجدوا أنفسهم تحت أشعة الشمس الحارقة طوال ساعات النهار دون مأوى، في وقت كانت الأمهات يحاولن احتواء خوفهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط ظروف قاسية وغياب أي دعم رسمي.
وتشير سعاد إلى الصعوبات التي واجهتها العائلات في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقتنياتها، في ظل حالة من التخبط والملاحقة بين خربتي التبان والفخيت القريبة. لكن التضامن الذي أبداه أهالي الخرب المجاورة -بحسبها- كان عاملا أساسيا في تمكين العائلات، بعد أن هبّوا لاستخراج بعض أغراضها من تحت الأنقاض.
دفعا للتهجير
وبينما تروي النساء تفاصيل حياتهن بعد الهدم، يضع عيسى حمامدة، أحد سكان الخربة، ما جرى في سياق أوسع يتعلق بتمسك الأهالي بأرضهم ورفضهم الرحيل عنها، مؤكدا أن النساء والأطفال يتحملون جانبا كبيرا من تبعات هذا الصمود.
يستعيد حمامدة اليوم الذي اقتحمت فيه جرافات الاحتلال الخربة، ويقول للجزيرة نت، إن التدمير كان شاملا ولم يترك شيئا تقريبا؛ فقد طالت الغرف السكنية وحظائر الأغنام والحمامات وآبار المياه، وحتى أعلاف الماشية طُمرت تحت التراب، وصار الوضع المعيشي “يُرثى له”. موضحا أن الأطفال ينامون داخل عربات، بينما يفترش الكبار الأرض في العراء لعدم وجود مأوى.
وفي هذه الظروف، تتحمل الأمهات مسؤولية طمأنة أطفالهن ومحاولة توفير ما يمكن من احتياجاتهم، رغم أن المكان الذي اعتدن فيه إدارة حياتهن لم يعد قائما.
ويؤكد حمامدة أن ما يحدث يندرج في إطار تستهدف تهجير السكان قسرا، لكنه يشدد على رفضه مغادرة أرضه تحت أي ضغط. ويستذكر تاريخ عائلته في هذه الأرض التي سكنها أجداده منذ العهد العثماني، مرورا بالانتداب البريطاني والحكم الأردني، وصولا إلى الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول إن نحو 30 فردا يعيشون هذه الظروف الصعبة، لكنهم يمتلكون “روحا معنوية عالية وإرادة صلبة” للبقاء في وطنهم، رغم محاولات التضييق المتواصلة.
“تطهير عرقي ممنهج”
ولا يرى الناشط الحقوقي، نصر نواجعة، ما جرى في خربة التبان حادثة منفصلة، بل يضعه ضمن سياق أوسع لما يصفه بسياسة إسرائيلية تستهدف التجمعات البدوية في مسافر يطا.
ويصف ما يحدث في المنطقة بأنه “تطهير عرقي ممنهج”، وليس مجرد عمليات هدم متفرقة، مبينا أن سلطات الاحتلال تتبع لمسح القرى والتجمعات الفلسطينية عن الخريطة، كما حدث في خربة التبان ومن بعدها الفخيت الشمالي، بهدف دفع السكان إلى التهجير القسري؛ إذ إن الاحتلال “يسابق الزمن” لفرض واقع جديد على الأرض، مستفيدا من انشغال المجتمع الدولي بالحروب والأزمات العالمية.
ويقول نواجعة للجزيرة نت: “هذه السياسة لا تعتمد على الهدم وحده، وإنما تتحرك عبر عدة أذرع، منها الهدم المباشر وعنف المستوطنين الموجه ضد الفلسطينيين”.
وبحسبه، فإن النساء والأطفال يكونون في مقدمة المتأثرين بهذه الاعتداءات، نظرا إلى وجودهم المستمر في محيط المنازل والخيام، وما يرافق ذلك من فقدان للمياه والمأوى ومقومات الحياة الأساسية.
ورغم افتقار الفلسطينيين إلى القوة العسكرية التي تمكنهم من مواجهة آلة القمع، إلا أنهم يمتلكون “إرادة البقاء”، يختم نواجعة، مؤكدا أن سكان الخرب سيواصلون العيش في الخيام أو الكهوف في قلب الجبال، في مواجهة سياسات الاحتلال.
بالأرقام
ولا تبدو خربة التبان استثناء في مسافر يطا، إذ يأتي هدمها ضمن واقع أوسع تشهده الضفة الغربية. فبحسب تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (حكومية) الصادر في 9 يوليو/تموز الماضي، نفذت قوات الاحتلال خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 341 عملية هدم في الضفة الغربية، أسفرت عن تدمير 740 منشأة وتضرر 923 فلسطينيا.
كما أصدر الاحتلال خلال الفترة نفسها 254 إخطارا جديدا بالهدم بسبب “البناء دون ترخيص”، وهي الحجة التي استخدمت مرارا ضد سكان مسافر يطا، رغم تقدمهم بمخططات تنظيمية ومطالب للحصول على تراخيص رفضتها سلطات الاحتلال.
وفي تقريرها الشهري عن أغسطس/آب الماضي، رصدت الهيئة نحو 2030 اعتداء بحق المواطنين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم في الضفة الغربية والقدس. وفي بيانات أخرى، لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدرت في 20 أغسطس/آب الماضي، فقد هجّر الاحتلال 107 تجمعات فلسطينية، تضم 5900 فلسطيني، كليا أو جزئيا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تنعكس هذه الاعتداءات على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، بدءا من فقدان مصادر المياه وتدمير المنازل والمرافق، وصولا إلى تقويض سبل المعيشة وفرض ضغوط متواصلة على العائلات، فيما تتحمل النساء والأطفال جانبا كبيرا من آثارها المباشرة.
وفي مسافر يطا، تزامنت موجات الهدم مع استمرار رفض المحاكم الإسرائيلية العليا للالتماسات التي تقدم بها أهالي التجمعات البدوية لحماية مساكنهم، مما مهّد الطريق أمام عمليات هدم متلاحقة.