روكب اليوم
|آخر تحديث: 01:05 (توقيت مكة)
“البرغوث” جعل من “المشي” على العشب الأخضر سلاحا تكتيكيا فتاكا، يُنوّم به دفاعات الخصوم مغناطيسيا، قبل أن يوجه ضربته القاضية في أجزاء من الثانية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
البيانات الرقمية الصادرة عن لجان التتبع التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تكشف عن حقيقة مذهلة: “ميسي قضى 64% من دقائق مباريات كأس العالم الحالية وهو يمشي”.
لكن خلف هذا السكون الظاهري، تكمن العبقرية التكتيكية التي وضعت “التانغو” في المربع الذهبي.
النزهة التي تخفي خلفها الرعب
لم يعد الأمر مجرد انطباع بصري، بل أرقام وإحصائيات ترسم لنا ملامح “النسخة الـ39” من ميسي في المونديال الحالي مقارنة بمتوسطات البطولة:
- مشي 64%: النسبة الأعلى لأي لاعب في البطولة على الإطلاق، متجاوزا بفارق ضخم جميع المشاركين.
- وقوف تام 25%: يقضي ربع المباراة واقفا بلا حراك، يراقب ما حوله ويرسم ملامح ثغرات الخصم.
- هرولة خفيفة: 8.6% متأخر بمسافة ضخمة عن متوسط البطولة البالغ (23%).
- سبرينت وسرعة قصوى: 2.4%
إنتاجية مرعبة بأقل مجهود بدني
على الرغم من قلة ركضه، إلا أن كفاءة ميسي في الثلث الهجومي تتفوق على أسرع لاعبي العالم وأكثرهم ركضا، وتلخصها لغة الأرقام التالية في هذه البطولة:
- 8 أهداف: يتصدر بها سباق الحذاء الذهبي للبطولة مناصفة مع الفرنسي كيليان مبابي.
- 15 فرصة خطيرة: صنعها لزملائه، ليحتل المرتبة الثالثة كأكثر اللاعبين صناعة للفرص في المونديال.
- المركز الثالث: في إجمالي عدد اللمسات داخل الثلث الهجومي الأخير للخصوم.
- 97 استلامًا للكرة: نجح في استلام الكرة بين خطي وسط ودفاع الخصم (بين الخطوط) قبل مواجهة ربع النهائي، وهو سادس أعلى رقم في البطولة بأكملها.
كيف يكسر مصيدة التسلل؟
واحدة من أذكى حيل النجم الأرجنتيني في هذه البطولة هي استخدام “السرعة البطيئة” لضرب مصائد التسلل.
فعندما يتقدم خط دفاع الخصم للأمام لإيقاف الهجوم، لا يتسرع ميسي بالركض للخلف، بل يتريث بعيدا عن الأنظار متظاهراً بعدم المبالاة، وبمجرد أن يفقد المدافعون أثره البصري، يقوم بوثبة سريعة مباغتة ليكسر الخط الدفاعي من “الجهة العمياء”.
عندما يقرر ميسي الركض، تظهر لغة الأرقام الموجهة بدقة:
- 71% من انطلاقاته بالكرة تنتهي في الثلث الهجومي الأخير.
- 21% من انطلاقاته تنتهي باختراق عمق منطقة الجزاء مباشرة.
وهذا ما يفسر الكفاءة العالية؛ حيث يؤكد مساعد مدرب أستراليا السابق رينيه مولينستين أن ميسي: “يقضي 80% من وقته يتجول بلا هدف، ثم ينطلق بـ 20% من طاقته القصوى في الأماكن التي يدرك أنه قادر فيها على إحداث الفارق الهجومي”.
مرونة تكتيكية متجددة.. ملحمة مصر
رغم هدوئه الشديد، أظهر ميسي في فوز الأرجنتين الدراماتيكي على مصر (3-2) في دور الـ16 قدرة استثنائية على تغيير جلده التكتيكي عندما تأزم الموقف وتأخر التانغو بهدفين قبل 15 دقيقة من النهاية.
ميسي الذي انهار باكيا عقب اللقاء من شدة الضغط العاطفي، قام خلال الـ15 دقيقة الأخيرة بإعادة ضبط صورته الذهنية للمباراة؛ فتخلى عن عمق الملعب (حيث يتمركز عادة في الجبهة اليمنى الداخلية بين دائرة المنتصف ومنطقة الجزاء)، وعاد ليتحرك كجناح كلاسيكي يلتزم بخط التماس – تماماً كما كان يفعل في بداياته مع برشلونة عام 2005 – لشل حركة الجناح الأيسر للمنتخب المصري وصناعة ريمونتادا التأهل.
زملاء مستعدون للموت من أجله
بالتأكيد، هذا المشي له ثمن باهظ في كرة القدم الحديثة التي تعتمد على الضغط العكسي المكثف؛ فميسي لا يقدم أي أدوار دفاعية تذكر عند فقدان الكرة، مما يلقي بعبء بدني مضاعف على بقية لاعبي خط الوسط والهجوم.
لكن هذا العبء يبدو مقبولا بل ومرحبا به داخل غرف ملابس “الألبيسيليستي”، وهو ما يؤكده مدافع الأرجنتين السابق وعضو اللجنة الفنية للفيفا الحالية بابلو زاباليتا: “إذا كان على المهاجمين الآخرين وبقية الفريق الركض وبذل جهد مضاعف لتغطية ميسي، فسيفعلون ذلك بكل سرور. الحفاظ على ميسي منتعشا وجاهزاً لتلك اللحظات الهجومية السحرية الحاسمة أهم بكثير من عودته للتغطية الدفاعية”.
قبل قمة إنجلترا
قد يبدو تحرّك ميسي البطيء للمشاهد غير المُدرّب وكأنه كسل أو شيخوخة كروية للاعب يبلغ من العمر 39 عامًا، لكن الحقيقة أنها “الخدعة الأكبر” في عالم الساحرة المستديرة.
فخلف ذلك السكون الطويل يكمن أسرع عقل كروي في العالم، ينوم الدفاعات مغناطيسيا، ويوهم الخصوم بالأمان، حتى تصل إليه الكرة وحينها فقط ينقض المفترس. وعلى دفاع إنجلترا والمدرب توماس توخيل الحذر الشديد، الأربعاء المقبل من “الرجل الذي يمشي”.