روكب اليوم
2026-10-11 19:53:00

لا تعتمد طفرة الذكاء الاصطناعي على الرقائق المتقدمة والكهرباء ومراكز البيانات وحدها، بل ترتكز أيضاً على مجموعة من المعادن الحيوية التي تدخل في تصنيع أشباه الموصلات والمغناطيسات وأنظمة إدارة الطاقة، ما يجعل السيطرة على إنتاجها عاملاً مؤثراً في أمن سلاسل إمداد التكنولوجيا العالمية.
ويبرز الغاليوم والعناصر الأرضية النادرة والتنتالوم بين هذه المواد، إذ يتركز إنتاجها في عدد محدود نسبياً من الدول، وفق بيانات تقرير المسح الجيولوجي الأميركي «ملخصات السلع المعدنية لعام 2026»، التي يستند إليها تقرير نشره موقع «فيجوال كابيتاليست» في الأول من أكتوبر.
وتعكس هذه الأرقام تقديرات إنتاج عام 2025، وتشير إلى تفاوت واضح في خريطة الإمدادات العالمية، من هيمنة الصين على الغاليوم والعناصر الأرضية النادرة، إلى الدور المحوري لدول وسط وغرب إفريقيا في إنتاج التنتالوم.
الصين تهيمن على إنتاج الغاليوم
لكن هذه النسبة لا تعني أن الصين تمتلك 99% من احتياطيات الغاليوم الموجودة في باطن الأرض؛ إذ يُستخرج المعدن عادة بوصفه منتجاً ثانوياً خلال معالجة البوكسيت المستخدم في صناعة الألومنيوم.
وقد ساعدت ضخامة صناعة الألومنيوم الصينية على تطوير قدرات واسعة لاستخلاص الغاليوم، فيما أسهمت وفرة المعروض وانخفاض الأسعار في فترات سابقة في خروج بعض المنتجين الآخرين من السوق.
وتكمن أهمية الغاليوم في استخدام مركباته، مثل نيتريد الغاليوم، في أشباه الموصلات وإلكترونيات الطاقة، وتتميز هذه المركبات بقدرتها على العمل بكفاءة في ظروف الجهد الكهربائي المرتفع ودرجات الحرارة العالية، ما يجعلها مفيدة في تطبيقات إلكترونية متقدمة.
ومع توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وارتفاع احتياجاتها من القدرة الحاسوبية والكهرباء، تزداد أهمية هذه المكونات في بعض أنظمة الطاقة والإلكترونيات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
العناصر الأرضية النادرة.. نفوذ صيني واسع
تتصدر الصين أيضاً إنتاج العناصر الأرضية النادرة، بحصة تبلغ 69.2% من الإنتاج العالمي المقدر، تليها الولايات المتحدة بنسبة 13.1%، ثم أستراليا بنحو 7.4%، وميانمار بنسبة 5.6%.
وتشمل قائمة المنتجين الآخرين تايلاند والهند ودولاً أخرى بحصص أصغر.
وتختلف استخدامات هذه العناصر بحسب خصائص كل منها، فالنيوديميوم والبراسيوديميوم يدخلان في تصنيع مغناطيسات دائمة قوية تُستخدم في الأقراص الصلبة ومعدات أخرى، فيما تدخل عناصر أرضية نادرة مختلفة في تطبيقات تشمل الشاشات والبصريات وتخزين البيانات وبعض المكونات الإلكترونية.
وتكتسب هذه المواد أهمية استراتيجية لأن توفرها لا يعتمد على وجود الخامات وحده، بل أيضاً على القدرة على استخراجها ومعالجتها وتحويلها إلى مواد صالحة للاستخدام الصناعي.
التنتالوم.. ثقل إنتاجي في إفريقيا
تختلف خريطة إنتاج التنتالوم عن الغاليوم والعناصر الأرضية النادرة؛ إذ تتصدر جمهورية الكونغو الديمقراطية الإنتاج العالمي المقدر بنسبة 52%، تليها رواندا بنسبة 16%، ثم نيجيريا بنسبة 15.6%.
وبذلك تستحوذ الدول الثلاث مجتمعة على نحو 83.6% من الإنتاج العالمي المقدر للتنتالوم، وفق بيانات عام 2025 الواردة في التقرير.
ويكتسب التنتالوم أهميته في صناعة الإلكترونيات من استخدامه في المكثفات، بما في ذلك مكثفات التنتالوم البوليمرية، التي توفر سعة كهربائية مرتفعة ضمن حجم صغير وأداءً مستقراً نسبياً.
وتجعل هذه الخصائص المكثفات مناسبة لأنظمة إلكترونية تتطلب كفاءة في إدارة الطاقة ومساحة محدودة للمكونات، بما في ذلك بعض تجهيزات الخوادم ومراكز البيانات.
وأشار تقرير صناعي نشرته «تريندفورس» في أغسطس 2026 إلى أن الطلب المرتبط بخوادم الذكاء الاصطناعي أصبح أحد العوامل الداعمة للطلب على مكثفات التنتالوم، في وقت تواجه فيه الأسواق اضطرابات في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار.
لماذا تتحول المعادن إلى ورقة ضغط استراتيجية؟
لا تعني السيطرة على إنتاج معدن حيوي امتلاك التفوق في الذكاء الاصطناعي تلقائياً؛ فالتكنولوجيا المتقدمة تحتاج أيضاً إلى تصميم الرقائق، والقدرة على تصنيعها، والبنية التحتية للطاقة، والاستثمارات ورأس المال.
لكن تركّز الإنتاج في دولة واحدة أو مجموعة صغيرة من الدول يجعل سلاسل الإمداد أكثر عرضة للتأثر بقيود التصدير أو الاضطرابات السياسية والتجارية أو تعطل الإنتاج.
وتقدم القيود الصينية على تصدير بعض المنتجات المرتبطة بالغاليوم، إلى جانب بعض العناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة، مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المعادن إلى قضية تتجاوز التجارة لتصل إلى الأمن الاقتصادي والتكنولوجي.
وقد دفعت هذه المخاطر حكومات وشركات إلى البحث عن موردين بديلين وتوسيع قدرات الإنتاج والمعالجة خارج مراكز التوريد الحالية.
أما في وسط إفريقيا وغربها، فيثير تركز إنتاج التنتالوم تحديات مختلفة تتعلق باستمرارية الإمدادات ومصادر المعادن المسؤولة والقدرة على تتبع سلاسل التوريد.
ومع توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لن تقتصر المنافسة على تأمين الرقائق المتقدمة، بل ستمتد أيضاً إلى المعادن والمواد التي تدخل في تصنيعها وتشغيل الخوادم وأنظمة الطاقة.
فالنفوذ في اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يبدأ عند تصميم الرقاقة فقط، بل يمتد إلى المناجم ومصانع المعالجة التي توفر المواد اللازمة لصناعة التكنولوجيا.