من غلاء المعيشة إلى غضب الشارع.. ما الذي يحدث للاقتصاد الفرنسي؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-17 17:54:00

1708897

لم تعد الاحتجاجات في فرنسا مجرد اعتراض على ارتفاع الأسعار أو قرار حكومي بعينه، بل باتت تعكس ضغوطاً أوسع على معيشة الأسر وجودة الخدمات العامة، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبة في الموازنة بين احتواء الغضب الاجتماعي وضبط المالية العامة.

وعادت هذه الضغوط إلى الواجهة بقوة السبت 17 أكتوبر، مع خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع في احتجاجات شارك فيها طلاب ونقابيون ومناصرون لحركة «السترات الصفراء»، وسط غضب من تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وامتدت المواجهات إلى مدن عدة، فيما أعلنت السلطات توقيف 272 شخصاً بحلول منتصف النهار، وفقاً لرويترز.
وبدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة من مدارس في ضواحي باريس الشمالية، حيث أثار نقص المعلمين وتدهور بعض المرافق التعليمية استياء الطلاب، قبل أن تتسع المطالب لتشمل التفاوت الاجتماعي والإنفاق العام ومستويات المعيشة. ويعكس هذا التحول اتساع نطاق الاستياء من الخدمات والخيارات الاقتصادية، وليس الأسعار وحدها.

التضخم يعود إلى التسارع.. والطاقة في قلب الأزمة

تقدم بيانات الأسعار مؤشراً واضحاً على الضغوط التي تواجه الأسر الفرنسية. فقد ارتفع التضخم السنوي إلى 3.1% في سبتمبر 2026، مقابل 2.4% في أغسطس، وفق البيانات النهائية للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية «إنسي».


وكانت الطاقة المحرك الأبرز لهذا التسارع، إذ ارتفعت أسعارها 21.3% على أساس سنوي في سبتمبر، فيما قفزت أسعار المنتجات النفطية 36.2%، وزادت أسعار الديزل 44.1% والبنزين 25.7%. كما ارتفعت أسعار الخدمات 2.4% وأسعار الغذاء 1.4% خلال الفترة نفسها.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية تتجاوز تكلفة الوقود المباشرة؛ فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف التنقل والتدفئة والإنتاج والنقل، ويمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار سلع وخدمات أخرى، ما يضغط على ميزانيات الأسر والشركات.

ولا يعني ارتفاع التضخم بالضرورة أن جميع الأسر تواجه العبء نفسه؛ إذ يختلف الأثر باختلاف الدخل ومكان السكن والاعتماد على السيارة ونسبة الإنفاق المخصصة للطاقة والغذاء.

ثقة الأسر لا تزال ضعيفة

إلى جانب الأسعار، تكشف مؤشرات المعنويات عن استمرار الحذر لدى المستهلكين. فقد استقر مؤشر ثقة الأسر الفرنسية عند 86 نقطة في سبتمبر، وفق «إنسي»، أي أقل من متوسطه طويل الأجل البالغ 100 نقطة.

وأظهر المسح أيضاً أن تقييم الأسر لمستوى المعيشة في فرنسا، حالياً ومستقبلاً، ظل دون متوسطه التاريخي، رغم تحسن طفيف في بعض التوقعات. كما ارتفعت نسبة الأسر التي ترى أن الأسعار زادت بقوة خلال الاثني عشر شهراً السابقة.

ولا يقيس مؤشر الثقة الدخل أو القدرة الشرائية مباشرة، لكنه يقدم إشارة إلى كيفية تقييم الأسر أوضاعها الاقتصادية وتوقعاتها، ومدى استعدادها للإنفاق أو الادخار.

وتبرز هنا إحدى مفارقات الاقتصاد الفرنسي: فقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن القوة الشرائية ارتفعت خلال العامين السابقين، لكن الاستهلاك الخاص ظل ضعيفاً، فيما بلغ معدل ادخار الأسر نحو 19% من الدخل المتاح في الربع الثاني من عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ 1979 باستثناء فترة الجائحة.

ويشير ذلك إلى أن تحسن بعض مؤشرات الدخل لا يتحول بالضرورة إلى إنفاق قوي؛ فعدم اليقين الاقتصادي ومخاوف المستقبل قد يدفعان الأسر إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من أموالها بدلاً من زيادة الاستهلاك.

نمو بطيء وضغوط على سوق العمل

تأتي هذه التطورات في اقتصاد لا يُتوقع أن يحقق نمواً قوياً خلال الفترة المقبلة. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.7% في عام 2026، على أن يرتفع إلى 0.8% في 2027، في ظل تأثير صدمة الطاقة والتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين على الاستهلاك والاستثمار.

كما بلغ معدل البطالة 8.3% في الربع الثاني من عام 2026، بحسب لوحة المؤشرات الاقتصادية للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، وهو ما يضيف تحدياً إلى جهود تعزيز دخول الأسر وتوسيع فرص العمل.

وتعني هذه البيئة أن ارتفاع تكاليف المعيشة لا يحدث بمعزل عن بقية الاقتصاد؛ فالنمو المحدود يضعف فرص زيادة الدخول بوتيرة قوية، بينما تؤدي الضبابية إلى تأجيل بعض قرارات الاستهلاك والاستثمار، بما قد يحد بدوره من قوة التعافي.

الحكومة بين مطالب الشارع وضبط الدين

لا تواجه الحكومة الفرنسية أزمة معيشة فحسب، بل تواجه أيضاً ضرورة إعادة ضبط المالية العامة. فقد سجل العجز المالي 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي أشارت إلى أن الحكومة تستهدف خفضه إلى 5% في 2026، ثم إلى 4.6% في 2027.

وفي الوقت نفسه، بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 115.5% في عام 2025، ما يجعل ضبط الإنفاق وتحسين استدامة المالية العامة من أبرز التحديات الاقتصادية للبلاد.

وتضع هذه الأرقام صناع القرار أمام معادلة صعبة: فزيادة الدعم أو الإنفاق الاجتماعي قد تخفف الضغوط على بعض الأسر، لكنها تحتاج إلى موارد مالية؛ بينما قد يؤدي التشدد في الإنفاق إلى زيادة الاستياء إذا شعر المواطنون بأن الخدمات العامة تتراجع أو أن تكلفة الإصلاح تقع بصورة غير متوازنة على الفئات الأقل قدرة.

ولا يعني ذلك أن خفض الإنفاق هو السبب الوحيد للاحتجاجات، أو أن كل إجراءات ضبط الموازنة تؤدي بالضرورة إلى تراجع الخدمات. لكن التحدي يتمثل في تحديد كيفية توزيع أعباء الإصلاح، وحماية الفئات الأكثر تأثراً، مع الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

هل الأزمة معيشية أم أعمق من ذلك؟

تكشف الاحتجاجات الفرنسية عن تداخل عدة عوامل: ارتفاع أسعار الطاقة، وضعف ثقة الأسر، وتواضع توقعات النمو، والقلق بشأن فرص العمل، والجدل حول الإنفاق العام وجودة الخدمات.

وتوضح عودة حركة «السترات الصفراء» إلى المشهد، ولو بمشاركة محدودة ضمن الاحتجاجات الحالية، أن قضايا القدرة الشرائية والضرائب والتفاوت الاجتماعي لا تزال حاضرة في النقاش العام منذ موجة 2018، التي بدأت بالاعتراض على ضرائب الوقود ثم اتسعت إلى مطالب اقتصادية واجتماعية أوسع.

لكن وصف ما يحدث بأنه انهيار اقتصادي سيكون مبالغة لا تدعمها المؤشرات وحدها؛ ففرنسا لا تزال اقتصاداً متقدماً يمتلك قاعدة إنتاجية ومؤسسات واسعة، وإن كانت تواجه نمواً ضعيفاً وضغوطاً مالية واجتماعية متزايدة.

والاختبار الحقيقي أمام الحكومة هو قدرتها على تحويل ضبط المالية العامة إلى مسار لا يفاقم الضغوط على الأسر، بالتوازي مع تحسين الخدمات وتعزيز فرص العمل والإنتاجية. فاستقرار الأسعار وحده لا يكفي لاستعادة الثقة، كما أن زيادة الإنفاق وحدها لا تضمن معالجة جذور الاستياء.

وبين فاتورة المعيشة وكلفة الدين العام، يبقى السؤال الذي يحدد مسار الأزمة: هل تستطيع فرنسا استعادة ثقة مواطنيها من دون أن تجعلهم يتحملون الجزء الأكبر من تكلفة إصلاح اقتصادها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks